تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
فإن قلت : إنّ الغاصب المصرّ على الظلم إذا غصب مال أحد ونسي مقداره وأُريد الانتزاع منه ، فكيف يكتفى بأخذ ما يتيقّن من المقدار مع أنّه حين الغصب صار ضامناً لما أخذه في الواقع ؟ فلو أراد الخلاص عمّا كتبه الكرام الكاتبين حين الأخذ في زبر أعماله فكيف يعتمد على أصالة البراءة عن الزائد ؟ وكذلك إذا غصب صرّةً من دنانير لا يعرف قدرها وأخرجها تدريجاً في معيشته . نعم قد لا يمكن للحاكم إجباره على الزائد إن لم يقدر المدّعى على الإثبات مثلًا ، وعدم ثبوت التكليف حينئذٍ على الزائد ظاهراً لا ينفي كونه مكلَّفاً بإزاحة ما في كتاب عمله . فإن قيل : التكليف به تكليف بما لا يطاق ، حيث إنّه جاهل به . قلنا : إنّه مقدور بإتيان مقدّمته ، وهو الإتيان بما يتيقّن معه البراءة ، مع أنّه هو الباعث على هذا التكليف ، ولا مانع عقلًا عندنا أيضاً . نعم لو تاب وندم وأراد الخلاص فلعلَّه يمكن القول بعدم جواز التكليف بما لا يطاق ، ولكن المفروض أنّه ليس فوق طاقته ، فلا يجدي هذا الكلام في شيء . نعم هذا الكلام يجري في قضاء الفوائت مع التوبة ؛ إذ المعيار هنا هو الفرض الجديد على التحقيق ، واشتغال الذمة بشيء في الوقت لا يثبت وجوب رفعه في خارج الوقت ، ولا ينصرف عموم « فليقض ما فاتته » إلى المجهول كما لا يخفى ، وهذا أيضاً إنّما يجري فيما نسي الفائت من الأصل ، وأمّا لو كان متذكراً له بعد الوقت ثمّ نسي فيجري فيه الكلام السابق . وبالجملة : الذي ثبت من الحديث النبويّ عدم المؤاخذة على المعصية نسياناً ، لا أنّ نسيان المعصية يمحوها عن كتاب الأعمال ، فلا يمكن أن يقال : الان نحن مكلَّفون بتدارك المعصية ، ولم يثبت هذا التكليف إلا بما يتيقن الاشتغال به الان . قلت : إنّ استصحاب اشتغال الذمّة إنّما يدلّ على وجوب ردّ العين المغصوبة مهما أمكن ، وإذا تلفت العين أو اختلطت بحيث لم تتميّز ، فالتكليف إنّما هو التوبة وردّ المثل أو القيمة ، وهذا التكليف تكليف جديد ، وإن كان منشؤه سبب التكليف القديم ،