الفصل الثالث في ظاهرة التكرار في القرآن الكريم
سر تكرار التلاوة :
لو سئلنا : لما ذا تكررت مطالب العلوم الخمسة ومباحثها في القرآن العظيم ؟ ولم لم يكتف ببيانها في موضع واحد ؟
قلنا : إن ما نريد أن نعرض على السامع ونفهمه ينقسم عادة إلى قسمين :
الأول : هو ما لا يكون القصد منه إلا تعليم ما لا يعلم السامع وتلقينه .
فيكون المخاطب - مثلا - لا يدري حكما من الأحكام ، ولم يدركه عقله وفكره ، فأنت تفيده ذلك الحكم ، فيصبح المجهول عنده باستماع كلامك معلوما ، ويعرف ما تريد .
الثاني : أن يكون الغرض هو استحضار صورة العلم في قوته المدركة حتى يجد لها لذة موفورة ، وتفنى جميع قواه القلبية والعقلية في ذلك المعلوم ، وتنصبغ به جميع قواه الفكرية والعلمية ، كما نكرر بيتا من الشعر علمنا معناه ومحتواه سلفا ، ولكننا رغم ذلك نكرره ونجد كل مرة في انشاده لذة جديدة ، ونحب ترداده وتكراره لأجل هذه اللذة الذوقية .
وإن القرآن العظيم بالنسبة إلى كل واحد من مباحث العلوم الخمسة ، أراد إفادة القسمين المذكورين ، فأراد تعليم ما لا يعلم بالنسبة إلى الجاهل ، وأراد انصباغ النفوس بصبغة هذه المعلومات بتكرارها وتردادها بالنسبة إلى العالم ، اللهم