المطلق في الكون بالإرادة المطلقة التي يعبر عنها « بكن فيكون » ، أو إثبات العلم الذاتي الذي لا يحصل بالاكتساب عن طريق الحواس والدليل العقلي والمنام والإلهام وأمثال هذه من الوسائل المادية أو الروحية ، أو إثبات إيجاد شفاء المريض أو إثبات اللعنة على شخص أو السخط عليه بحيث ينقلب نتيجة هذا اللعن والسخط معدما أو مريضا أو شقيا ، أو الرحمة لشخص والرضا عنه بحيث ينقلب هو بسبب هذه الرحمة والرضا غنيا صحيحا معافى سعيدا .
وهؤلاء المشركون لا يعرفون مع اللّه تعالى شريكا ، في خلق الجواهر - أي أصول المادة - وتدبير الأمور العظام ، ويعترفون بأنه لا قدرة لأحد إذا أبرم اللّه تعالى .
شيئا وقضى به أن يمانعه ويقف دونه . إنما إشراكهم في أمور خاصة ببعض العباد ، إذ أنهم يظنون أن سلطانا عظيما من السلاطين العظام ، كما يرسل عبيده وأصحاب الزلفى لديه إلى بعض نواحي مملكته للقيام ببعض الأمور الجزئية ، ويجعلهم متصرفين فيها - إلى أن يصدر عنه قرار آخر - باختيارهم وسلطتهم ، وأنه لا يقوم بشؤون الرعية وأمورهم الجزئية بنفسه ، بل يكل ذلك إلى الولاة والحكام ، ويقبل منهم شفاعتهم وتزكيتهم للموظفين الذين يعملون تحت إشرافهم ، والمتصلين بهم ، والمتزلفين لديهم . كذلك قد خلع ملك الملوك على الإطلاق - تعالى شأنه - على بعض عباده المقرّبين خلعة الألوهية ، وجعل سخطهم ورضاهم مؤثرا في عباده الآخرين .
فكانوا - لأجل ذلك - يرون من الضرورة التزلف إلى أولئك العباد المقرّبين حتى يكون هذا وسيلة لصلاحية القبول في حضرة الملك الحقيقي ، وتنال شفاعتهم - في حقهم - عند الجزاء على الأعمال والحساب الحظوة والقبول لديه سبحانه .
ونظرا لهذه الملاحظة والتصور الذي رسخ في نفوسهم حدثتهم أنفسهم بالسجود أمامهم والذبح لهم ، والحلف بأسمائهم والاستعانة بقدرتهم المطلقة ، ونحت صورهم وتماثيلهم من الحجر والصفر والنحاس وغير ذلك ، وجعلها قبلة للتوجه إلى أرواحهم ، وندرّج الجهلة من هذا الطريق إلى أن بدءوا يعبدون هذه
الفوز الكبير في أصول التفسير — صفحة 24
مساهمون: السيد سلمان الحسينى الندوى
ص٢٤