الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد فإني قلت
ليلة غلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة
فأسمر بها ما يسمر الشباب ؟ فقال : ادخل . فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من
دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : فلان بن فلان تزوج
فلانة ابنة فلان ، فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس
الشمس ، قال : فجئت صاحبي فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما صنعت شيئا ، وأخبرته الخبر
قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال : أفعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة
مثل ما سمعت ودخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني
إلا مس الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ، ثم ما همت بعدهما بسوء حتى
أكرمني الله برسالته ( 1 )
قال الماوردي في أعلام النبوة 140 : هذه أحوال عصمته قبل الرسالة ، وصده
عن دنس الجهالة ، فاقتضى أن يكون بعد الرسالة أعظم ، ومن الأدناس أسلم ، وكفى
بهذه الحال أن يكون من الأصفياء الخيرة إن أمهل ، ومن الأتقياء البررة إن أغفل ، ومن
أكبر الأنبياء عند الله تعالى من أرسل مستخلص الفطرة ، علي النظرة ، وقد أرسله الله
تعالى بعد الاستخلاص ، وطهره من الأدناس ، فانتفت عنه تهم الظنون ، وسلم من ازدراء
العيون ليكون الناس إلى إجابته أسرع ، وإلى الانقياد له أطوع . ا ه .
وإلي نسائل ذلك الحكيم المتأول الذي مر كلامه ص 65 عن أنه كيف
خص محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ، وأبا بكر بالرحمة ، وعمر بالحق ، وحسب إنه فتح بابا مرتجا
من المعضلات ، أو أتي بقرني حمار ، أي نبوة تفارق الحق ؟ وأي نبي هو أوضع من
صاحب الحق ؟ وأي حق اقتناه عمر لنفسه وعزب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عرفانه ؟ .
وهلم معي إلى طامة أخرى من الزركشي في الإجابة ص 67 ، الذي عد فيها
من خصائص عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتبع رضاها كلعبها باللعب ، ووقوفه في
هامش
( 1 ) دلائل النبوة لأبي نعيم 1 : 58 . أعلام النبوة للماوردي ص 140 . تاريخ الطبري 2 :
196 . الكامل لابن الأثير 2 : 14 . عيون الأثر لابن سيد الناس 1 : 44 . تاريخ ابن كثير 2 :
287 . الخصائص الكبرى 1 : 88 ، السيرة الحلبية 1 : 132 .