ثم إن للأمة المسلمة أبا تنزيليا روحيا هو أحق بالأبوة من الخليل عليه السلام وهو نبيها
الأقدس محمد صلى الله عليه وآله كما مر حديثه ، وبها حياتها الحقيقية ، وهو الذي يدعوهم لما يحييهم ،
ومنه كيانها المستقر ، وعز ها الخالد ، فهو أولى باللحية من أبيه الخليل وصاحبه أبي بكر .
والعجب كل العجب في عد أبي بكر أبا ثانيا للأمة لأنه فتح لها باب الدخول
إلى الاسلام ، وإن الذي فتح باب الاسلام بمصراعيه لدخول الأمم فيه ، ورأيت الناس
يدخلون في دين الله أفواجا ، هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدعوته الكريمة ، وبراهينه الصادقة ،
ومعاجزه المعلومة ، ونواميسه المقدسة ، وخلايقه الرضية ، ومغازيه الدامية . فهو أولى
بأن تكون له لحية في الجنة .
على أن الأمة قط لم تعرف بابا فتحه الخليفة لها إلى الاسلام ، ولم يدر أي
أحد أنه متى فتحه ، وأين فتحه ، ولماذا فتحه ، وأي باب هو نعم . لا تخفى على الأمة
جمعاء أنه غلق بابا عليها وحرمها من خير أهله وعلمه ورشده وهداه ، ألا : وهو باب مدينة
علم النبي مولانا أمير المؤمنين بالنص المتواتر ، وهو الباب الذي منه يؤتى إلى الله ،
وإليه يتوجه الأولياء ، فلولا انتزاع الأمر منه لانتشرت علومه ، وزهرت معالمه ، وتبلغت
حكمه ، وعمل بأحكامه ، فأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، منهم أمة مقتصدة
وكثير منهم ساء ما يعملون ، لكنه عليه السلام منع عن حقه فجهلت العباد ، وأجدبت البلاد ،
وصوحت المرابع ، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ، وإلى الله المشتكى .
وإن أراد القائل من فتح الباب بدئة الفتوح في أيام الخليفة ؟ فالخليفة الثاني على
ذلك أجدر باللحية منه ، لأن عمدة الفتوح وقعت في أيامه .
نعم : إن يكن هناك من يحق أن يعد للأمة أبا ثانيا تنزيلا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فهو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الذي به كان تمام الدعوة ؟ والنجاح في المغازي ، وهو نفس
النبي القدسية وخليفته المنصوص عليه ، ولذلك جاء من طريق أنس بن مالك عنه
صلى الله عليه وآله وسلم قوله : حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على الولد ، ومن طريق عمار
وأبي أيوب الأنصاري قوله : حق علي على كل مسلم حق الوالد على ولده ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الرياض النضرة 2 ص 172 نقلا عن الحاكمي ، كنوز الدقائق ص 64 نقلا عن الديلمي ،
مناقب الخوارزمي ص 244 ، 254 ، فرائد السمطين لشيخ الاسلام الحمويى ، نزهة المجالس
2 ص 212 .