أما ما قبل الآخرين فإن الرجل كان يأثم بغير حساب ، ويقتل بغير حساب ،
ويكذب بغير حساب ، ويحيف بغير حساب ، ويجهل من معالم الدين بغير حساب ، وإن
أخطاءه في الاجتهاد " المزعوم " بغير حساب ، ويعطي ويمنع من غير حجة بغير حساب ،
فياله من دعاء لم يقرن بالإجابة في مورد من الموارد ؟ .
وأما قواعد علم الحساب ويلحق بها فروض المواريث ، فماذا الذي نجم منها بين
معلومات معاوية وفتاواه ؟ غير جهل شائن مستوعب لكل ما ناء به من كل فرض وندب ،
ولم تعهد له دراسة لهذه العلوم والقواعد حتى تتحقق بها إجابة الدعوة بتوفيق
إلهي .
وأما جملة " وقه العذاب " فإن صحت الرواية فإنها تشبه أن تكون ترخيصا
في المعصية لرجل مثل معاوية يلغ في المآثم ، ويتورط بالموبقات ، ويرتطم في المهالك ،
فليس فيما سبرناه وأحصيناه من أفعاله وتروكه إلا جنايات للعامة ، وميول وشهوات في
الخاصة ، وحيف وميل في الحقوق ، وبسط وقبض ، وإقصاء وتقريب من غير حق ، فلا
يكاد يخلو ما ناء به من مآثم أوعد الله تعالى فاعله بالنار ، أو محظور في الشريعة يمقت
صاحبها ، أو عمل بغيض يمجه الحق ، ويزور عنه الصواب ، أو بدع محدثة في منتأى عن
رضا الرب وتشريع الرسول صلى الله عليه وآله فإن كان يوقى مثل هذا الانسان عن العذاب المجرئ
له على الهلكات ؟ فأين مصب التوعيدات المعدة لمن عصى الله ورسوله ؟ إن الله لا يخلف
الميعاد ، أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات
سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون .
فالخضوع لمثل هذه الرواية على طرف النقيض من مسلمات الشريعة بتحريم ما
كان يستبيحه معاوية ، ولذلك كان يراه مولانا أمير المؤمنين ووجوه الصحابة الأولين
من أهل النار ( 1 ) مع أن هذا الموضوع المفتعل كان بطبع الحال بمرأى منهم ومسمع ،
إلا أن يكون تاريخ إيلاده بعد صدور تلكم الكلم القيمة .
ولو كان مثل معاوية يدرء عنه العذاب ، ويدعى له بالسلامة منه ، وحاله ما
علمت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أعلم بها منك ومن كل أحد ، وعنده من حقوق الناس
هامش
( 1 ) راجع الكلمات التي أسلفناها في هذا الجزء .