ما لا يحصى مما لا تدركه شفاعة أي معصوم من دم مسفوك ، ومن مال منهوب ، ومن
عرض مهتوك ، ومن حرمة مضاعة ، فما حال من ساواه في الخلاعة ، أو من هو دونه في
النفاق والضلال ؟ وأي قيمة تبقى سالمة لتوعيدات الشريعة عندئذ ؟ لاها الله ، هذه
أمنية حالم قط لا تتحقق ، إلا أن تكون تلك المحاباة تشريفا لابن أبي سفيان بخرق
النواميس الإلهية ، والخروج عن حكم الكتاب والسنة ، تكريما لراية هند ومكانة
حمامة ، إذن فعلى الاسلام السلام .
أفمن الحق لمن له أقل إلمامة بالعلم والحديث أن يركن إلى أمثال هذه التافهاف ،
ولا يقتنع بذلك حتى يحتج بها لإمامة الرجل عن حق ، وصدق خلافته ؟ كما فعله ابن
حجر في الصواعق ، وفي هامشه تطهير الجنان ص 32 ، وكأنه غض الطرف عن كل ما
جاء في حق الرجل من حديث وسيرة وتاريخ ، وأغضى عن كل ما انتهى إليه من الأصول
المسلمة في الاسلام ، وحرمات الدين . نعم : الحب يعمي ويصم .
الرواية الثالثة :
إذا ملكت فأحسن
فهي وما في معناها من رواية : إن وليت فاتق الله واعدل ( 1 ) ورواية : أما إنك
ستلي أمر أمتي بعدي فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم ، واعف عن مسيئهم . تنتهي طرقها
جميعا إلى نفس معاوية ، ولم يشترك في روايتها أحد غيره من الصحابة ، فالاستناد إليه في
إثبات أي فضيلة له من قبيل استشهاد الثعلب بذنبه ، على أن الرجل غير مقبول الرواية ولا
مرضيها فإنه فاسق فاجر منافق كذاب مهتوك ستره بشهادة ممن عاشره وباشره ، وسبر غوره
ودرس كتاب نفسه ، وفيهم مثل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآخرون من الصحابة
العدول ، وقد تقدم نص كلماتهم في هذا الجزء ص 148 - 177 وتكفي في الجرح واحدة من
تلكم الشهادات المحفوظة أهلها بالتورع عن كل سقطة في القول أو العمل ، فكيف بها جمعاء ؟
وتؤيد هاتيك الشهادات بما اقترفه الرجل من الذنوب ، وكسبته يده الأثيمة من
جرائر وجرائم ، ولفقها في سبيل شهواته من شهادات مزورة ، وكتب افتعلها على أناس
من الصحابة ، ونسب مكذوبة كان يريد بها تشويه سمعة الإمام صلوات الله عليه - وأنى له
هامش
( 1 ) مر الكلام حول هذه الرواية في ص 362 من هذا الجزء .