تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
كسيبويه والخليل ، بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات ، بحيث يميز بين دلالات الألفاظ من المطابقة ، والتضمين ، والالتزام ، والمفرد والمركب ، والكلي منها والجزئي ، والحقيقة والمجاز ، والتواطئ والاشتراك ، والترادف والتباين ، والنص والظاهر ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمنطوق والمفهوم ، والاقتضاء والإشارة ، والتنبيه والايماء ، ونحو ذلك مما فصلناه . ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله . وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه ، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل ، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة ، وما لا بد منه فيها ، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها ، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية ، كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة ، بالغا رتبة الاجتهاد فيها ، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها ، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها ، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر ، ولهذا نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة ، فقال في ست وثلاثين منها ، لا أدري . وأما ما فيه الاجتهاد : فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظنيا . فقولنا " من الأحكام الشرعية " تمييز له عما كان من القضايا العقلية واللغوية وغيرها . وقولنا " دليله ظنيا " تمييز له عما كان دليله منها قطعيا ، كالعبادات الخمس ونحوها ، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها ، لأن المخطئ فيها يعد آثما ، والمسائل الاجتهادية ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما . ا ه‍ . وقال الشاطبي في الموافقات 4 : 89 ما ملخصه : الاجتهاد على ضربين : الأول : الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط ، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله ، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله . فلا بد من هذه الاجتهاد في كل زمان ، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به ، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفا بالمحال ، وهو غير ممكن شرعا ، كما إنه غير ممكن عقلا .
الغدير — صفحة 346 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)