أو أن له أصولا متبعة لا يعدوها المجتهد من كتاب وسنة ، أو تأول صحيح إن ماشينا القوم
في إمضاء الاجتهاد تجاه النص ، أو أنه اتسعت الفسحة فيه وأطلق الصراح حتى نزى إليه
كل أرنب ، وثعلب ، وتحراه كل بوال على عقبيه أو أعرابي جلف جاف ؟ أنا لا أكاد أن
أسوغ للعلماء القول بتصحيح مثل هذا الاجتهاد . وإنما المتسالم عليه بينهم ما يلي :
قال الآمدي في [ الإحكام في أصول الأحكام ] 4 : 218 : أما الاجتهاد ، فهو في
اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة ، ولهذا
يقال : اجتهد فلان في حمل حجر البزارة ، ولا يقال : اجتهد في حمل خردلة .
وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من
الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه .
وأما المجتهد فكل من اتصف بصفة الاجتهاد ، وله شرطان : الشرط الأول : أن
يعلم وجود الرب تعالى : وما يجب له من الصفات ، ويستحقه من الكمالات ، وأنه واجب
الوجود لذاته ، حي ، عالم ، قادر ، مريد ، متكلم ، حتى يتصور منه التكليف ؟ وأن يكون
مصدقا بالرسول ، وما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر على يده من المعجزات ، والآيات
الباهرات ، ليكون فيما يسنده إليه من الأحكام محققا ، ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق
علم الكلام ، متبحرا فيه كالمشاهير من المتكلمين ، بل أن يكون مستند علمه في ذلك
بالدليل المفصل ، بحيث يكون قادرا على تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه ، كالجاري
من عادة الفحول من أهل الأصول ، بل أن يكون عالما بأدلة هذه الأمور من جهة الجملة ،
لا من جهة التفصيل .
الشرط الثاني : أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها ، وطرق
إثباتها ، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها ، واختلاف مراتبها ، والشروط المعتبرة فيها ،
على ما بيناه ، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها ، وكيفية استثمار الأحكام منها
قادرا على تحريرها وتقريرها ، والانفصال عن الاعتراضات الواردة عليها ، وإنما يتم ذلك
بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل ، والصحيح والسقيم ، كأحمد بن حنبل
ويحيى بن معين ، وأن يكون عارفا بأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ في النصوص
الأحكامية ، عالما باللغة والنحو ، ولا يشترط أن يكون في اللغة كالأصمعي ، وفي النحو
الغدير — صفحة 345
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٣٤٥