فشنت عليه الغارات يوم الجمل وفي واقعة صفين وكان من ذيولها وقعة الحروريين ، فلم
يتبع اجتهاد خليفة الوقت الذي هو باب مدينة علم النبي ، وأقضى الأمة بنص من الصادق
المصدق ، لكنما اتبع اجتهاد عثمان في العفو عن عبيد الله بن عمر في قتله لهرمزان
وبنت أبي لؤلؤة وإهدار ذلك الدم المحرم من غير أي حجة قاطعة أو برهنة صحيحة ، فلو
كان للخليفة مثل ذلك العفو فلم لم يجر حكمه في الآوين إلى مولانا أمير المؤمنين من -
المتجمهرين على عثمان ؟ ولم يكن يومئذ من المقطوع به ما سوف يقضي به الإمام من حكمه
البات ، أيعطي دية المقتول من بيت المال لأنه أودي به بين جمهرة المسلمين لا يعرف قاتله
كما فعله في أربد الفزاري ( 1 ) أو أنه يراهم من المجتهدين " وكانوا كذلك " الذين تأولوا
أصابوا أو أخطأوا ، أو أنه كان يرى من صالح الخلافة واستقرار عروشها أن يرجئ أمرهم
إلى ما وراء ما انتابه من المثلات ، وما هنالك من إرجاف وتعكير يقلقان السلام والوئام ،
حتى يتمكن من الحصول على تدعيم عرش إمرته الحقة المشروعة ، فعلى أي من هذه
الأقضية الصحيحة كان ينوء الإمام عليه السلام به فلا حرج عليه ولا تثريب ، لكن سيف البغي الذي
شهروه في وجهه أبى للقوم إلا أن يتبع الحق أهوائهم ، وماذا نقموا عليه صلوات الله عليه
من تلكم المحتملات ! حتى يسوغ لهم إلقاح الحرب الزبون التي من جرائها تطايرت
الرؤس ، وتساقطت الأيدي ، وأرهقت نفوس بريئة ، وأريقت دماء محترمة ، فبأي اجتهاد
بادروا إلى الفرقة ، وتحملوا أوزارها ، ولم تتجل لهم حقيقة الأمر ولباب الحق ، لكنهم
ابتغوا الفتنة ، وقلبوا له الأمور ، ألا في الفتنة سقطوا .
ومن أعجب ما يترائى من مفعول الاجتهاد في القرون الخالية : إنه يبيح سب علي
أمير المؤمنين عليه السلام وسب كل صحابي احتذى مثاله ، ويجوز لأي أحد كيف شاء وأراد
لعنهم ، والوقيعة فيهم ، والنيل منهم ، في خطب الصلوات ، والجمعات ، والجماعات ،
وعلى صهوات المنابر ، والقنوت بها ، والاعلان بذلك في الأندية والمجتمعات ، والخلا
والملا ، ولا يلحق لفاعلها ذم ولا تبعة ، بل له أجر واحد لاجتهاده خطأ ، وإن كان هو
من حثالة الناس ، وسفلة الأعراب ، وبقايا الأحزاب ، البعداء عن العلوم والمعارف .
وأما علي وشيعته فلا حق لهم في بيان ظلامتهم عند مناوئيهم ، والوقيعة في خصمائهم ،
هامش
( 1 ) راجع كتاب صفين ص 106 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 279 .