تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وأما الضرب الثاني : وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع فثلاثة أنواع : أحدها المسمى بتنقيح المناط ، وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره في النص فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغى . الثاني المسمى بتخريج المناط ، وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط ، فكأنه أخرج بالبحث ، وهو الاجتهاد القياسي . الثالث : وهو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر لأنه ضربان : أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص ، كتعين نوع المثل في جزاء الصيد ، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات وما أشبه ذلك . والضرب الثاني : ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه ، فكأن المناط على قسمين : تحقيق عام ، وهو ما ذكر . وتحقيق خاص من ذلك العام . إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين : أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها . والثاني : التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها . أما الأول فقد مر في كتاب المقاصد أن الشريعة مبنية على اعتبار المصالح ، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك ، لا من حيث إدراك المكلف إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات ، واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب ، فإذا بلغ الانسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة ، وفي كل باب من أبوابها ، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله . وأما الثاني : فهو كالخادم للأول ، فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولا ، ومن هنا كان خادما للأول ، وفي استنباط الأحكام ثانيا ، لكن لا تظهر ثمرة الفهم إلا في الاستنباط . فلذلك جعل شرطا ثانيا ، وإنما كان الأول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة لأنه المقصود والثاني وسيلة . هذا هو الاجتهاد عند الأصوليين وأما الفقهاء فهو عندهم مرتبة راقية من الفقه يقتدر بها الفقيه على رد الفرع إلى الأصل ، واستنباطه منه ، والتمكن من دفع ما يعترض المقام من نقد ورد ، وإبرام ونقض ، وشبه وأوهام .
الغدير — صفحة 347 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)