وغبي ، فكان من المتسالم عليه بين الفريقين ! إن الخلافة هي المتوخاة لكل منهما ، ولذلك
انعقد التحكيم ، وبه كان يلهج خطباء العراق وأمرائهم عند النصح للأشعري ، وزبانية الشام
المنحازة عن ضوء الحق ، وبلج الاصلاح . فمن قول ابن عباس للأشعري :
إنه قد ضم إليك داهية العرب : وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة ،
فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه ، وإن يطمع باطله في حقك يدرك
حاجته منك ، واعلم يا أبا موسى ! أن معاوية طليق الاسلام ، وإن أباه رأس الأحزاب ،
وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة ، فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد
صدق ، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ، ويوجره ( 1 ) ما يكره
ثم استعمله عثمان برأي عمر ، وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة ، واعلم : أن لعمرو
مع كل شئ يسرك خبا يسوءك ، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين
بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وأنها بيعة هدى ، وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين .
[ شرح ابن أبي الحديد 1 : 195 ]
ومن قول الأحنف بن قيس له : ادع القوم إلى طاعة علي . فإن أبوا فادعهم أن يختار
أهل الشام من قريش العراق من أحبوا ، ويختار من قريش الشام من أحبوا . ( 2 )
ومن قول شريح بن هانئ للأشعري : إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية ،
ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم علي ، فانظر في ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقا ،
وقد كانت منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل ، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا ،
والرجاء منك يأسا ، ثم قال :
أبا موسى رميت بشر خصم * فلا تضع العراق فدتك نفسي
واعط الحق شامهم وخذه * فإن اليوم في مهل كأمس
وإن غدا يجئ بما عليه * كذاك الدهر من سعد ونحس
هامش
( 1 ) وجره الدواء أو جره إياه : جعله في فيه . أوجره الرمح ، طعنه . ووجره : أسمعه ما
يكره .
( 2 ) الإمامة والسياسة 1 : 99 ، وفي ط 112 ، نهاية الإرب 7 : 239 ، شرح ابن أبي
الحديد 1 : 196 .