تكون لها أي عبرة ، فدحضا لدعوة الباطل ، وسحقا لشره الاستعباد .
وكان ابن هند الجاهل بنفسه - والانسان على نفسه بصيرة - برى نفسه أحق
بالخلافة من عمر كما جاء في ما أخرجه البخاري في صحيحه ( 1 ) عن عبد الله بن عمر قال :
دخلت على حفصة ونسوانها تنطف قلت : قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي
من الأمر شئ . فقالت : إلحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم
فرقة . فلم تدعه حتى ذهب . فلما تفرق الناس خطب معاوية ( 2 ) قال : من يريد أن يتكلم
في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه ، فلنحن أحق به منه ومن أبيه . قال خبيب بن مسلمة فهلا
أجبته ؟ قال عبد الله : فحللت حبوتي وهممت أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك
وأباك على الاسلام . فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني
غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان . قال خبيب : حفظت وعصمت ؟
أين كان ابن عمر عن هذه العقلية التي حفظ بها وعصم يوم تقاعس عن بيعة
أمير المؤمنين الإمام الحق بعد إجماع الأمة المسلمة عليها ، ولم يخش أن يقول كلمة تفرق
بين الجمع وتسفك الدم ؟ ففرق الجمع ، وشق عصا المسلمين ، وسفكت دماء زكية ،
والله من ورائهم حسيب .
ولم تكن الخلافة فحسب هي قصوى الغاية المتوخاة لمعاوية بل ينبأنا التاريخ
عن إنه لم يك يتحاشا عن أن يعرفه الناس بالرسالة ويقبلونه نبيا بعد نبي العظمة ، روى
ابن جرير الطبري بالإسناد : إن عمرو بن العاص أوفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال
لهم عمرو : انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا سلموا عليه بالخلافة فإنه أعظم لكم في
عينه ، وصغروه ما استطعتم ، فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه : إني كأني أعرف ابن
النابغة وقد صغر أمري عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون
عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف ، فكان أول من دخل عليه رجل
من أهل مصر يقال له : ابن الخياط . فدخل وقد تعتع فقال : السلام عليك يا رسول الله !
هامش
( 1 ) في كتاب المغازي ، باب غزوة الخندق ج 6 : 141 .
( 2 ) قال ابن الجوزي : كان هذا في زمن معاوية لما أراد أن يجعل ابنه يزيد ولي عهده . راجع
فتح الباري 7 : 323 .