ويستعمل عوضه سعيد بن العاص فبلغه ذلك فقال : الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه
ليظهر للناس كراهتي للولاية ، فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه : إن لم
أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا ، ومضى حتى دخل على يزيد وقال له :
إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم
وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين
أن يعقد لك البيعة ؟ قال : أو ترى ذلك يتم ؟ قال : نعم . فدخل يزيد على أبيه وأخبره
بما قال المغيرة فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! قد رأيت ما
كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ( 1 ) وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن
حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة . قال :
ومن لي بهذا ؟ قال : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين
المصرين أحد يخالفك . قال : فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك ،
وترى ونرى . فودعه ورجع إلى أصحابه فقالوا : مه . قال : لقد وضعت رجل معاوية في
غرز بعيد الغاية على أمة محمد ، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا . وتمثل :
بمثلي شاهدي نجوى وغالى * بي الأعداء والخصم الغضابا
وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية
أمر يزيد فأجابوا إلى بيعته فأوفد منهم عشرة ويقال : أكثر من عشرة . وأعطاهم ثلاثين
ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة وقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد
ودعوه إلى عقدها . فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم ، ثم قال لموسى :
بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألفا . قال : لقد هان عليهم دينهم ، وقيل :
أرسل أربعين رجلا وجعل عليهم ابنه عروة ، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء
فقالوا : إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا أمير المؤمنين !
كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل فانصب لنا علما ، وحد لنا حدا ننتهي إليه .
هامش
( 1 ) ألا مسائل المغيرة عن أن هذا الشقاق والخلاف وسفك الدماء المحرمة في عدم الاستخلاف
هل كان يعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فلماذا ترك أمته سدى ولم يستخلف كما زعمه هو
والسياسيون من رجال الانتخاب الدستوري ؟ .