فقال : أشيروا علي . فقالوا : نشير بيزيد بن أمير المؤمنين . فقال : أوقد رضيتموه ؟
قالوا : نعم . قال : وذلك رأيكم ؟ قالوا : نعم ، ورأي من وراءنا . فقال معاوية لعروة سرا
عنهم : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بأربعمأة دينار . قال : لقد وجد دينهم
عندهم رخيصا ، وقال لهم : ما ننظر ما قدمتهم له ويقضي الله ما أراد . والأناة خير من العجلة
فرجعوا ، وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد فأرسل إلى زياد يستشيره فأحضر زياد عبيد
بن كعب النميري وقال له : إن لكل مستشير ثقة ، ولكل سر مستودع ، وإن الناس قد أبدع
بهم خصلتان : إذاعة السر ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضوع السر إلا أحد
رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابها ، ورجل دنيا له شرف في نفسه ، وعقل يصون حسبه ،
وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف : إن أمير المؤمنين كتب
يستشيرني في كذا وكذا ، وإنه يتخوف نفرة الناس ، ويرجو طاعتهم ، وعلاقة أمر الاسلام
وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد ، فألق أمير المؤمنين
وأد إليه فعلات يزيد وقل له : رويدك بالأمر فأحرى لك أن يتم لك ، لا تعجل فإن
دركا في تأخير خير من فوت في عجلة . فقال له عبيد : أفلا غير هذا ؟ قال . وما هو ؟ قال :
لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغض إليه ابنه ، وألقي أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب
إليك ، يستشيرك في البيعة له ، وإنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه ،
وإنك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجة على الناس ، ويتم ما تريد فتكون قد
نصحت أمير المؤمنين وسلمت مما تخاف من أمر الأمة . فقال زياد : لقد رميت الأمر بحجره ،
أشخص على بركة الله ، فإن أصبت فما لا ينكر ، وإن يكن خطأ فغير مستغش ، وتقول بما
ترى ، ويقتضي الله بغيب ما يعلم ، فقدم على يزيد فذكر ذلك له فكف عن كثير مما كان
يصنع ، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتوءدة وأن لا يعجل ، فقبل منه ، فلما مات زياد
عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها فلما
ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر : هذا أراد ، إن ديني إذن لرخيص وامتنع . ( 1 )
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 6 : 169 ، 170 ، كامل ابن الأثير 3 : 214 ، 215 .