وإن كان لم يعرف بنزعة شيعية واضحة . غير أن التشيع والتصوف يلتقيان في كثير من القضايا النظرية .
ونشير أخيراً إلى أمر التزمه ابن عربي في تأليفه ، وهو أن يبدأ كل باب من من أبواب « الفتوحات » بقطعة شعرية تطول أو تقصر على حسب الأحوال ، ويحاول أن يلخص فيها أهم مقاصد هذا الباب . والشعر الصوفي قسم من أقسام الأدب العربي ، ينفذ إلى القلوب ، ويعبر عن خلجات النفس ، ويستعان به على التضرع والخشوع ، يتغنى به الفرد ، وتنشده الجماعة ، ولا يخلو من رقة وحلاوة . وقد قال الشعر كثيرون من متصوفي الإسلام ، قالوه في لغة سهلة ، بل دارجة أحيانا ، أو تعمقوا فيه ، فرمزوا وأغمضوا بحيث يعز فهمهم . وتخصصوا في ألوان منه آثروا على غيرها فأولعت رابعة العدوية ( 185 ه ) بالشعر في الحب الإلهي ، وهي القائلة :
أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذلك
فأما الذي هو حب الهوى * فكشفك لي الحجب حتى أراكا
وأما الذي أنت أهل له * فلست أرى الكون حتى أراكا
وصور الحلاج ( 309 ه ) الحلول بصور شتى ، منها قوله :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتي أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا
وعرف ابن الفارض ( 636 ه ) بخمرياته ، وهو دون نزاع أعظم شاعر صوفي في اللغة العربية على الإطلاق .
ولابن عربي أشعار كثيرة ، بعضها مرتجل جاء على البديهة ، وبعضها فيه روية وتعمق ، ومن الأول قوله حين زار الكعبة الأول مرو :
أرى البيت يزهو بالمطيفين حوله * وما الزهو إلا من حكيم له صنع
وهذا جماد لا يحس ولا يرى * وليس له عقل وليس له سمع
ومن الثاني قوله :
الفاء من عالم التحقيق فادكر * وانظر إلى سرها يأتي على قدر
لها مع الياء مزج في الوجود فما * تنفك بالمزج من حق ومن بشر
فان قطعت وصال الياء دان لها * من أوجه عالم الأرواح والصور
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 21
مساهمون: ابن عربي
ص٢١