تصْديرٌ
يلتزم ابن عربي في هذا السفر منهجه الذي درج عليه في السفرين السابقين ، ولا أظنه سيخرج عنه في الأسفار التالية . وهو أن يتكلم في طلاقه ، وأن يسجل كل ما يعن له ، ولا يبالي أن يعيد ويكرر ، على أن تكراره لا يخلو من إضافة جديد وشرح غامض . فيعود في هذا السفر غير مرة إلى « علم الأكوان » الذي شغل به طويلا في السفر الثاني . غير أنه يعنى هنا خاصة بمعالجته من الزاوية الصوفية ، فيرى أن العالم في تغير مستمر نتيجة للتوجهات الإلهية ، ويشير إلى ثلاثة علوم كونية : هي العشق الكوني ، والعشق في العالم المعاني ، والعشق في العالم الإلهي . ومما يبسر هذا التكرار تفنن ابن عربي في تقسيمه وتبويبه ، وحرصه على أن يعنون لكل مادة طالت أو قصرت بعنوان خاص .
ومهما يكن من أمر هذا التكرار فإن السفر الثالث ينصب أساسا على التصوف النظري ، فيعرض للأحوال والمقامات ، أو المنازل كما يسميها ابن عربي ، مثل : منزل الدعاء ، والمشاهدة ، والألفة ، والاستخبار ، والوعيد ، ويصعد بها إلى نسعة عشر منزلا . ويتحدث عن الأقطاب ، وفي مقدمتهم الخضر الذي كان إمام المتصوفة ، دون استثناء ؛ وعن سلمان والأقطاب السلمانيين ؛ ولا يفوته أن يعد عمر بن الخطاب وأحمد بن حنبل بين الأقطاب . وللعيسويين أقطابهم ، وعيسى نفسه روح الله وكلمته . والحقيقة أن التفرقة بين عيسوي وموسوي ، أو بين عيسوي ومحمدي ضئيلة في نظر بعض الصوفية من مسلمين ومسيحيين ، ما دام المتصوف ينعم بالحب الإلهي ، ويسمو إلى مرتبة الوصول والعرفان . ولا يقف ابن عربي عند هذا ، بل يتحدث عما سماه « العلم العيسوي » ، وهو أدخل ما يكون في « علم الحروف » . وأغلب الظن أنه يجارى الحلاج في هذا كله ، ولكنه يحرص على أن يسجل أن أحد أتباع النبي محمد خاتم الولاية الخاصة ، في مقابل المسيح بن مريم الذي هو خاتم الولاية العامة . وأهل البيت أقطاب العالم ، ولا ينبغي لمسلم أن يذمهم . ويبدو ابن عربي هنا أميل إلى علي والعلويين ،
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 20
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠