تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
جزئياً يوضح مبدأً عاماً يسير عليه الوجود بأسره ، وهو الحب الإلهي الذي هو حنين الحق إلى الخلق . ولكن الفرع يحن إلى أَصله أيضاً ، والجزء إلى كله : ومن هنا جاء حنين الخلق إلى الحق ، وإن كان في الحقيقة حنيناً للحق إلى نفسه في صورة الخلق المتعين . وسنشرح ذلك في شيء من التفصيل فيما بعد . لمسألة الحب الإلهي ناحيتان : ناحية شوق الحق إلى الخلق ، وناحية شوق الخلق إلى الحق . أما شوق الحق إلى الخلق ، فهو شوق الكل إلى أجزائه ( والكل والأجزاء مستعملان هنا على سبيل المجاز ) . وقد ظهر في صورتين : الأولى في حنين الذات الإلهية إلى الظهور على مسرح الوجود الخارجيّ ، ذلك الحنين الذي كان علة الخلق ، وإليه الإشارة في الحديث القدسي بقوله تعالى : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني » . والصورة الثانية هي حنين الحق المتجلي في صور الوجود إلى الرجوع إلى نفسه : أي حنين الكل المتعين بصورة الجزء إلى الرجوع إلى الكل العام . وهذا بعينه حنين الخلق إلى الحق ، لأن المشتاق عين المشتاق إليه في الحقيقة ، وإن كان غيره بالتعين . قال تعالى يخاطب داود عليه السلام : « يا داود إني أشد شوقاً إليهم » ، أي إلى المشتاقين إليه . فالخلق يشتاق إلى الحق ويلاقيه بأن يعود الجزء إلى كله . ولكنه « لقاء خاص » كما يقول ابن عربي ، لأنه ليس من قبيل لقاء الشيئين المختلفين ، بل من قبيل الشيء الواحد يلاقي نفسه . وإذا كان شوق الحق إلى الخلق علة ظهور الوجود في صوره الخارجية ، فإن شوق الخلق إلى الحق علة عودة تلك الصور إلى الوجود الواحد العام . أما أن شوق الحق إلى الخلق أشد من شوقهم إليه ، فذلك لأن الخلق يشتاق إلى الحق من حيثية واحدة : أي من حيث هم صور تحن إلى الرجوع إلى الذات الإلهية المقومة لها . أما الحق فيشتاق إلى الخلق من حيثيتين مختلفتين ، لأنه من حيث إنه متعين بصورة العبد المشتاق ، يشتاق إلى نفسه ، ومن حيث إنه