قوله تعالى « وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها » ، أي أودع فيه سر جميع الأسماء الإلهية التي هي مظاهر الوجود .
والعالم عالمان : عالم أكبر ، وهذا يسبح الحق بمفرداته بالمعنى الذي شرحناه ، وعالم أصغر وهو الإنسان . وهذا يسبِّح الحق بجملته بنفس المعنى ، ويسبحه على وجه لا يتهيأ لمخلوق آخر حتى للملائكة . ولذلك قال المؤلف في الفص الأول مشيراً إلى الملائكة : « فما سبحته بها ( أي ببعض الأسماء الإلهية ) ولا قدسته تقديس آدم » .
( 6 ) « فإن الأمر في نفسه لا غاية له يوقف عندها » .
بعد أن ذكر أن إلقاء موسى في التابوت وإلقاء التابوت في اليمِّ يدلان في ظاهرهما على الهلاك ، وهما في الباطن عين الحياة الحقيقية التي هي حياة العلم ، وبعد أن قارن بين الأموات بالجهل والأحياء بالعلم المشار إليهما في قوله تعالى : « أَ ومن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه وجَعَلْنا لَه نُوراً » إلخ ، انتهى إلى القول بأنه لما كان الأمر في نفسه ، أي أمر الوجود لا غاية له يوقف عندها ، كان مآل الجميع إلى الضلال والحيرة . ولكن الحيرة حيرتان : حيرة الجهل وحيرة العلم . وهي بالمعنى الأول مرادفة للضلال ، وبالمعنى الثاني مرادفة للهدى . وقد جرت عادة المؤلف باستعمال لفظي الحيرة والضلال على سبيل الترادف ، ولكنه يفرق بينهما في هذه الفقرة لأنه يعرِّف الهدى المقابل للضلال بأنه الاهتداء إلى الحيرة . وإنما جعل الاهتداء إلى الحيرة عين الهداية ، لأن الحيرة التي هي نتيجة العلم إنما تحصل من شهود وجوه التجليات الإلهية المتكثرة المحيرة للعقول والأوهام ، وذلك عين الهداية .
( 7 ) « كذلك وجود الحق كانت الكثرة له وتعداد الأسماء . . . إلى قوله مع الأحدية المعقولة » .
أي كما تعددت أزواج النبات الخارج من الأرض بعد اهتزازها ونموها وإنباتها كما قال تعالى « وتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأَنْبَتَتْ من
فصوص الحكم — صفحة 297
مساهمون: ابن عربي
ص٢٩٧