وأحياناً يفرقون بين السبب والشرط على أساس أن السبب هو ما إذا وُجِدَ وجد مسبَّبه وإذا لم يوجد لم يوجد مسبَّبه ، في حين أن الشرط هو ما إذا لم يوجد المشروط ، ولكنه إذا وجد فقد يوجد وقد لا يوجد المشروط . وقد تستعمل كلمتا السبب والعلة على سبيل الترادف في الفلسفة ، ولكن الفقهاء يميزون بينهما من وجهين : الأول أن المسبَّبَ يوجد عند وجود سببه لا به ، في حين أن المعلول شيء لازم عن العلة ذاتها . الثاني أن معلول العلة يحصل عنها مباشرة وبغير واسطة ، في حين أن المسبَّب لا يحصل عن سببه مباشرة .
( 5 ) « فكما أنه ليس شيء من العالم إلا وهو يسبح بحمده ، كذلك ليس شيء من العالم إلا وهو مسخَّر لهذا الإنسان » .
كل شيء في الوجود يسبّح الحق لأنه يعلن صفة من صفاته ، أو يظهر اسماً من أسمائه . وفي ذلك إفصاح عن الكمالات الإلهية ، وهذا أعلى مراتب التسبيح والتقديس . وليس هذا التسبيح نطقاً باللسان ، ولكنه تسبيح أحوال الكائنات التي تعبِّر عن مكنونات أسرارها ، كما أنه ليس المسبِّح بالحمد سوى المسبَّح بحمده :
أي أن « الكل » ألسنة ثناء على « الكل » . وفي هذا المعنى قال ابن عربي في الفص الخامس :
فيحمدني وأحمده * ويعبدني وأعبده
ولكن أكمل الكائنات تسبيحاً للحق هو أكثرها إظهاراً لكمالاته وهو الإنسان : ذلك الكون الجامع في نفسه حقائق الوجود من أعلاه إلى أسفله ، وذلك المختصر الشريف الذي تنعكس على مرآته صورة الحضرة الإلهية بتمامها . وليس تسخير ما في السماوات والأرض للإنسان في قوله تعالى : « وسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه » سوى إظهار جميع حقائق الوجود في الإنسان .
وهي مسخَّرة له : لا بمعنى خضوعها له ، بل بوجودها فيه بمعناها وحقيقتها . وهذا سر
فصوص الحكم — صفحة 296
مساهمون: ابن عربي
ص٢٩٦