فظهور الرحمة في صور الأسماء الإلهية معناه تجليها في صور الموجودات بحسب استعدادها وقابليتها للوجود .
ومما يستدل به على عمومية الرحمة وجامعيتها أن اسم « الرحمن » قد استعمل في القرآن مرادفاً لاسم « الله » في قوله تعالى « قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه الأَسْماءُ الْحُسْنى » . واسم « الله » هو جماع الأسماء الحسنى كلها .
( 12 ) « فرحمة الله والكناية هي التي * ( وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * ، ثم لها شعب كثيرة تتعدد بتعدد الأسماء الإلهية » .
الرحمة التي لها صفة العموم هي الرحمة المنسوبة إلى الاسم « الله » أو إلى ياء المتكلم ( وهي المشار إليها بالكناية ) في قوله تعالى « ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » .
اما الرحمة التي يمنحها الله بواسطة أي اسم آخر من الأسماء الإلهية فرحمة جزئية لا تعم لأن الاسم الإلهي المتجلي فيها اسم خاص لا يعم . وإذا نظرنا إلى الأسماء الإلهية من حيث هي مجال للوجود العام أو مجال للرحمة الإلهية العامة كانت كل رحمة خاصة تظهر على يد اسم من الأسماء بمثابة الشعبة المتفرعة عن الرحمة العامة .
( 13 ) « إذ المصطلح عليه بأي لفظ حقيقة متميزة بذاتها عن غيرها ، وإن كان الكل قد سيق ليدل على عين واحدة مسماة » .
كل اسم إلهي حقيقة متميزة بذاتها عن حقائق الأسماء الأخرى ، ومن هنا استعمل لكل اسم لفظ خاص وكان له من الحكم ما ليس لغيره . ولكن الأسماء الإلهية كلها لها دلالة أخرى واحدة وهي دلالتها على الذات الإلهية الواحدة المسماة بها . وهذا هو المعنى الذي أشار إليه أبو القاسم بن قسيّ الأندلسي عندما قال : إن كل اسم إلهي على انفراده مسمّى بجميع الأسماء الإلهية كلها . فلا بد إذن من مراعاة الدلالتين جميعاً : دلالة كل اسم على معناه الخاص ، ودلالة الأسماء الإلهية كلها على الذات المتصفة بها .
فصوص الحكم — صفحة 254
مساهمون: ابن عربي
ص٢٥٤