تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
يكون قيام الرحمة بالراحم بهذا المعنى - أي لا يكون إيجادها فيه بعد أن لم تكن - إلا من صفات الإنسان الحادث ، لأن الحق سبحانه ليس بمحل للحوادث ، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه . ومع ذلك فالحق هو الراحم على الإطلاق : أي هو مصدر كل رحمة ، ولا تكون له هذه الصفة إلا على معنى أن رحمته عين ذاته كما بينا في التعليق السابق . وها هو نص شرح القيصري على هذه المسألة الدقيقة وهو من أوضح الشروح فيها . قال : « وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به » أي الحق الذي أوجد الرحمة في هذا المرحوم الذي هو من أهل الكشف ما أوجدها ليرحمه بها فيكون مرحوماً ، وإنما أوجدها فيه ليكون راحماً ، لأنه بمجرد ما وجد أولًا صار مرحوماً بالرحمة الرحمانية ، وعند الوصول إلى كمال يليق بحاله صار مرحوماً بالرحمة الرحيمية . فإيجاد الرحمة فيه وإعطاء هذه الصفة له بعد الوجود والوصول إلى الكمال ، إنما هو ليكون العبد موصوفاً بصفة ربه فيكون راحماً بعد أن كان مرحوماً . وإنما كان كذلك لأن الصفات الفعلية ( أي صفات الأفعال ) إذا ظهرت فيمن ظهرت تقتضي ظهور الفعل منه . ألا ترى أن الحق إذا أعطى لعبده صفة القدرة وتجلى بها له كيف تصدر منه خوارق العادات وأنواع المعجزات والكرامات ؟ والرحمة مبدأ جملة الصفات الفعلية إذ بها توجد أعياناً . فنسأل الله ( أن ) يرحمنا بالرحمة التامة الخاصة والعامة » : شرح القيصري على الفصوص ص 237 . قارن التعليق الثالث على الفص السادس عشر . ( 11 ) « وإن كانت الرحمة جامعة فإنها بالنسبة إلى كل اسم إلهي مختلفة » . الرحمة الإلهية جامعة لجميع صفات الفعل التي يتصف بها الحق لأنها مبدأ الإيجاد كما قلنا . ولكنها تظهر في الوجود بصور مختلفة بحسب الأسماء الإلهية المختلفة ، وتتعدد بتعددها . وقد سبق أن ذكرنا أن الأسماء الإلهية هي الصفات التي تتصف بها الموجودات ، أو هي المعاني التي تتجلى في الوجود بصور الموجودات