لا يوجد في الوجود إلا حقيقة واحدة ، فمن الجهل إذن أن تدعو الحق أن ينزل بك رحمته أَو أن يهبك أي شيء فإن الحق الذي تدعوه هو الحق الذي خلقته في اعتقادك وهو أنت وأنت هو ، بل الواجب عليك أن تتحقق ما أمكنك بصفات الكمال الإلهي التي منها الرحمة ونحوها . ولكنك لن تصير في يوم من الأيام الحقَّ لأنك في الحقيقة حق أي صورة من صور الحق ومظهر من مظاهره .
فإذا قامت بك صفة الرحمة ( أو أية صفة أخرى ) فأظهرْها لغيرك تكن راحماً مرحوماً ، وتحقق بذلك وحدتك الذاتية مع الحق . هذا معنى من معاني الحال الصوفي المعروف بحال الفناء وهو الحال الذي صاح فيه الحلاج بقوله :
« أنا الحق » .
ومعنى قوله : « فمن ذكرته الرحمة فقد رَحِمَ واسم الفاعل هو الرحيم والراحم » أن من قامت به صفة الرحمة وتحقق بها أصبح راحماً لغيره من الخلق .
( 9 ) « والحكم لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجيه المعاني لذواتها » .
سبقت الإشارة إلى موضوع هذه الفقرة فيما مضى من التعليقات على هذا الفص لا سيما التعليق الخامس . والمراد بالحكم هنا حكم الصفة في الموصوف كحكم « العلم » في العالم والإرادة في المريد ونحوهما . وقد انقسمت الآراء في مسألة الصفات الإلهية إلى قسمين : رأي أهل السنة القائلين بأن الصفات لا هي عين الذات ولا هي غيرها ، ورأي المعتزلة الذاهبين إلى أن الصفات عين الذات : وكلا الرأيين مخطئ في نظر المؤلف . فالصفات ليست عين الذات عنده - كما يقول المعتزلة - إلا بمعنى خاص وهي أنها نسب وإضافات بين الذات الموصوفة وبين الأعيان المعقولة للصفات . فنحن إذا وصفنا الحق بأنه « عالم » لا نقصد أن صفة العلم عين الذات العالمة ، وإنما نقصد أن صفة العلم هي عين الذات المتصفة بالعلم من حيث قيام صفة العلم بها ، كما تقوم الأحوال بالجواهر : أي أنها نسبة أو إضافة بين الذات المتصفة بالعلم ، وبين المعنى الكلي العام - العلم . ومعنى هذا أن العلم هو
فصوص الحكم — صفحة 251
مساهمون: ابن عربي
ص٢٥١