العالم : إذ ليس للعالم معنى عنده إلا أنه الصفات التي وصف الحق بها نفسه . فعلم الناس با لله مستمد من علمهم بالعالم . والحق المخلوق في الاعتقاد - وهو غير الحق في ذاته - صورة من صور علم الناس بالعالم . ويلزم من هذا أن الرحمة التي وسعت الأسماء الإلهية قد وسعت في الوقت نفسه صور المعتقدات جميعها ، أو قد وسعت - كما يقول - الحق المخلوق في الاعتقاد . بعبارة أدق قد وسعت صور الاعتقاد التي قدر لها أزلًا أن تكون صور اعتقاد للناس في الله كما قدر لصاحب كل صورة من صور الاعتقاد أن يخلق هذه الصورة وفقاً لما تجلى في نفسه وفي العالم الخارجي المحيط به من الأسماء الإلهية .
أما فكرة خلق الحق في الاعتقاد ففكرة يرددها المؤلف في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وقد أشرنا إليها في مثل قوله : « فأعلمه فأوجده » وقوله « فا لله عبارة لمن فهم الإشارة » ونحو ذلك .
( 8 ) « فيسأل المحجوبون الحق أن يرحمهم في اعتقادهم ، وأهل الكشف يسألون رحمة الله أن تقوم بهم » .
يسأل عامة الناس الذين لا يعرفون الحق إلا بطريق عقولهم الله أن يرحمهم في اعتقاداتهم ، وهذا هو عين الحجاب ، لأن الحق المخلوق في الاعتقاد إنما هو من عملهم من حيث هو صورة من صور علمهم بأنفسهم وبالعالم الذي يعرفونه . فإذا ما دعوا الله أن يرحمهم دعوا في الحقيقة آلهتهم المخلوقة في اعتقاداتهم أن يغفروا لهم ذنوبهم ومعاصيهم . أما أهل الكشف الذين يعرفون الحقيقة عن طريق الذوق ، فلهم في طلب الرحمة غاية أخرى : وهي أن تقوم الرحمة بهم أي يتحققوا بصفة الرحمة التي هي من صفات الله فيصبحوا راحمين لا مرحومين . وهذا رأي قد يبدو غريباً لأول وهلة ، غير أن غرابته سرعان ما تزول عندما ينظر إليه الناظر في ضوء مذهب وحدة الوجود الذي يقول به المؤلف ، لأنه لا فرق في الحقيقة في مثل هذا المذهب بين راحم ومرحوم ولا معنى للاثنينية هناك حيث
فصوص الحكم — صفحة 250
مساهمون: ابن عربي
ص٢٥٠