شاملة له أي معطية إياه وجوده الخاص به لأنه إما موجود بالفعل متحقق الوجود ، أو موجود بالقوة صائر إلى الوجود بالفعل . فالنظرة التي ينظر بها المؤلف إلى الرحمة نظرة ميتافيزيقية لا خلقية . ولذلك لا يفرق بين مقولتي الخير والشر كما لا يميز - إلا في مجرد التسمية - بين صفتي الغضب والرضا اللتين وصف الحق بهما نفسه . ( قارن التعليق الثالث على الفص السادس عشر ) .
وبالرغم من أن الرحمة نفسها ليس لها وجود عيني - لأنها من الأمور الكلية المعنوية ، فإن لها الحكم في إيجاد كل ما له وجود عيني ، شأنها في ذلك شأن جميع المعاني الكلية التي لها أثر وحكم في أعيان الموجودات ، مع أنها ليست من الموجودات العينية . وإلى هذا المعنى أشار بقوله : « وقد ذكرنا في الفتوحات أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم ، وإن كان للموجود فبحكم المعدوم ( قارن الفص الأول ) .
هذه مسألة يرى ابن عربي أنها لا تدرك إلا بالذوق الصوفي وأنه لا مجال للعقل فيها ، وإلا فكيف يدرك العقل أن الرحمة الإلهية قد وسعت المعاصي والآلام والأمراض ونحوها مما يظهر للعقل البشري أنه من مظاهر الغضب الإلهي لا الرحمة ؟
( 3 ) فأول ما وسعت رحمة الله شيئية تلك العين الموجدة للرحمة بالرحمة إلى قوله ومركَّباً وبسيطاً » .
في هذه الفقرة المتناهية في الغموض شرح لفكرة هي أشبه ما تكون بفكرة الفيْض الأفلوطيني ، أي ظهور الواحد الحق في مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها في سلسلة من الفيوضات تنتهي بالعالم المحسوس . والأولى ألا نستعمل كلمة الفيوضات ( بالمعنى الأفلوطيني ) لأنها لامكان لها في مذهب ابن عربي ، وإنما الواجب أن نستعمل كلمة التجليات مكانها ، فإن الواحد الحق يتجلى - في نظره - في صور الموجودات ولا تفيض الموجودات عنه .
ومما يزيد المسألة غموضاً وصعوبة في الفهم أنه يدخل في « الفيوضات » الرحمة الإلهية التي يخلع عليها صفة العينية حتى يعدها مرادفة للحق نفسه أو
فصوص الحكم — صفحة 244
مساهمون: ابن عربي
ص٢٤٤