للوجود المطلق . فإذا فهمنا الرحمة على أنها الوجود ، كانت الرحمة المطلقة التي وسعت كل شيء هي والوجود المطلق الذي هو الحق شيئاً واحداً .
فظهور الواحد الحق في صورة الكثرة الوجودية التي هي العالم يقع في التصور على سبيل التدرج في مراتب من الوجود تتحقق كل مرتبة منها عندما يتجلى الواحد الحق فيها - أو عندما تسعها الرحمة الإلهية . وأول هذه المراتب مرتبة الذات الإلهية المطلقة : وهي مرتبة الوجود المطلق من حيث هو وجود : لا سبيل لنا إلى معرفتها أو وصفها بأي وصف ، لأن كل وصف يحددها ويعينها ، وهي متعالية على الوصف والتحديد . فهي مرتبة الشيئية المطلقة التي تعتبر سائر الموجودات مظاهر لها أو صوراً وتعينات فيها . فقوله : « فأول ما وسعت رحمة الله شيئية تلك العين الموجدة للرحمة » معناه أن أول شيء وسعته الذات الإلهية ( أو الوجود المطلق ) هو ذات الوجود المطلق ، وأن أول تجل للذات الإلهية كان فيها لنفسها ، وهو الفيض الأقدس الذي أشرنا إليه في الفص الأول . وهو أيضاً مرتبة العماء . ( راجع في معنى الشيئية والعماء ما ذكره في الفتوحات ج 3 ص 115 ، وفي معنى الشيء من حيث وجوده بالقوة ، والشيء من حيث وجوده بالفعل : الفتوحات ج 4 ص 136 و 213 ) .
والمرتبة الثانية من مراتب التجليات هي تجلي الواحد الحق لذاته في صور الأسماء الإلهية ، وهي مرتبة الفيض المقدس التي فيها يتجلى الحق لنفسه في صور الموجودات من حيث وجودها في باطن الغيب المطلق : أي من حيث هي نسب وإضافات معقولة إلى الذات الإلهية الواحدة . فإذا عرفنا أن اسم « الله » يشير إلى نسبة الحقائق الوجودية إلى الذات الإلهية على هذا النحو ، وأن الاسم « الرحمن » يشير إلى أنه منبع الوجود وأصل كل موجود : إذا عرفنا هذا كله ، أدركنا لمَ يعتبر ابن عربي الاسم « الله » مرادفاً للاسم « الرحمن » مستشهداً بقوله تعالى :
« قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه الأَسْماءُ الْحُسْنى » ، ولما ذا
فصوص الحكم — صفحة 245
مساهمون: ابن عربي
ص٢٤٥