جبريل الملك الموكل بالوحي ، فقد أشرنا فيما مضى إلى أنه يرى أن الوحي تلقائي ينكشف للموحَى إليه من ذاته ، حيث لا يحتاج لوساطة ملك أو غيره ( الفص السابع : التعليق العاشر ) .
جبريل عنده هو مبدأ الحياة في الكون : هو الروح الكلي المنبث في الوجود بأسره على ما في الموجودات من تفاوت في درجات الحياة ومقدرتهم على الظهور بمظاهرها . وليس في الوجود - في مذهبه - إلا ما هو حي وما هو ناطق ، وإن كنا قاصرين عن إدراك هاتين الناحيتين في كثير من الموجودات . فيجب إذن ألا نسارع إلى إنكار وجودهما في بعض الكائنات لأننا عجزنا عن إدراكهما فيها عن طريق العقل أو الحس .
فجبريل ليس إلا الحق ذاته متجلياً في صورة ذلك الروح الكلي ، وما ظهر منه في أي موجود من الموجودات هو « لاهوت » هذا الموجود أو جهة الحق فيه : كما أن الصورة التي يظهر فيها هي ناسوته ( 1 ) أو جهة الخلق فيه . وإن شئت فقل إن الروح والمادة هما وجها الحقيقة الوجودية اللذان أطلقنا عليهما اسم الحق والخلق ، أو الباطن والظاهر فيما سبق . وهذه نظرة إلى الحق لا من ناحية إطلاقه وتنزهه عن الخلق ، بل من ناحية تعينه ووجوده فيه . فهو تلك القوة التي لا تطأ شيئاً في الوجود إلا دبت فيه الحياة ، وهو الذي قبض السامري قبضة من أثره وصنع منها عجل بني إسرائيل ، وهو الذي نفخ في مريم فولدت عيسى عليه السلام .
هامش
( 1 ) يستعمل ابن عربي كلمة اللاهوت للدلالة على « ذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء » والناسوت « للمحل القائم به الروح » وقد استعمل الاصطلاحين من قبله الحلاج كما استعمل كلمتي الطول والعرض . قارن الفتوحات ج 1 ص 219 حيث يشرح ابن عربي نظرية الحلاج . على أن كلمة الروح قد تطلق مجازاً على الناسوت من ناحية أنه محلها الذي تقوم به .