تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
« الواحد » متجلّ في صور أعيان الممكنات التي لا تتناهى : كان ذلك منذ الأزل وسيبقى كذلك على الدوام . لم يجد ابن عربي وأصحابه إذن حرجاً - كما وجد الفلاسفة المشاؤن من المسلمين - في القول بأن الكثرة قد صدرت عن الواحد بالمعنى الذي ذكرناه : أي أن الواحد قد ظهر بصور الأعيان المتكثرة في الوجود الخارجي . ولم يأخذ بالقاعدة التي أخذ بها المشاؤن وجعلوها أساساً لمذهبهم ، وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، بل قال إن الواحد قد صدر عنه العقل الأول كما صدر عنه الأرواح المهيمة وأرواح الكاملين من الخلق كالأنبياء والأولياء ، بل وروح كل موجود ( وليس في الوجود إلا ما له روح ) . بعبارة أخرى صدر عن الواحد الحق كل شيء ، لأنه حقيقة كل شيء والمتجلي في كل شيء . فالمسيح الذي هو روح من الله صدر عن الله بهذا المعنى : أي أن الله قد تجلى في صورته كما تجلى في صور ما لا يحصى من الممكنات الأخرى ، وليس كما يقول القيصري إنه صدر عن الله لأنه في الصف الأول من الأرواح التي صدرت مباشرة عن الله ، بينما صدر غيره من الأرواح عن الله بوساطة العقل الأول أو العقول الكونية الأخرى . وفي هذا التأويل بمعنى من الأفلاطونية الحديثة لا تحتمله فلسفة ابن عربي العامة ولا يتفق مع ما سيرد من النصوص في هذا الفص . ومن كون المسيح روحاً من الله ، أو من كونه مجلى من المجالي الإلهية التي لا تحصى ، كانت له القدرة على الخلق وإحياء الموتى وغير ذلك مما لا ينسب عادة إلا إلى الله . والحقيقة أن في نسبة هذه الأفعال إلى المسيح شيئاً من التجوز ، لأن الخالق على الإطلاق والمحيي على الإطلاق هو الله ، ولم يكن في هذه الحالة سوى الله في الصورة العيسوية الخاصة . ( 4 ) « جبريل عليه السلام وهو الروح » . ليس من الغريب أن يكون لجبريل في مذهب ابن عربي شأن آخر غير شأن
فصوص الحكم — صفحة 179 | ابن عربي