الفص الخامس عشر
( 1 ) « الحكمة النبوية في الكلمة العيسوية » .
يظهر أن السبب في نسبة الحكمة النبوية إلى عيسى واختصاصه بالنبوة أكثر من الرسالة ، هو ما ورد في القرآن من الآيات التي تنص على نبوته منذ ولادته حتى أنطقه الله بما يثبت ذلك وهو لم يزل بعد في المهد صبياً . قال عيسى يخاطب قومه ويدافع عن أمه التي حام شك الناس حولها : « إِنِّي عَبْدُ الله آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا » ( قرآن س 19 آية 32 ) .
هذا من ناحية : ومن ناحية أخرى يعتقد المسلمون أن عيسى سينزل من السماء آخر الزمان ويحكم في الناس بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويعيد الإسلام إلى سيرته الأولى : أي أنه سيكون نبياً تابعاً لا نبياً رسولًا ولا مشرّعاً وهذه هي النبوة العامة أو النبوة المطلقة التي تختلف عن النبوة الخاصة التي هي نبوة التشريع . ولهذا يعتبره ابن عربي خاتم الأنبياء : أي خاتم من تكون لهم هذه النبوة العامة . أما خاتم الأنبياء المشرعين فمحمد عليه السلام .
على أن عيسى - إذا نظر إليه من ناحية حياته في هذه الدنيا - قد كان نبياً رسولًا ، لأن كل رسول له إلى جانب رسالته صفتا النبوة والولاية كما ذكرنا .
وجانب النبوة فيه يختلف عن جانب الرسالة وينحصر في قدرته على الإخبار بما هو في عالم الغيب ، تلك القدرة التي تظهر في كل نبي عند سن الأربعين . ولا يتردد ابن عوبي في أن يسمي تلك النبوة العامة التي هي قدر مشترك بين الأنبياء
فصوص الحكم — صفحة 176
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٦