تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
الضمير في أنه يعود على الإنسان ، ولكن الأمر ليس قاصراً على الإنسان ، بل شاملًا للوجود كله : إذ كل شيء في ترق دائم من حيث إنه في خلق متجدد في كل آن ، والخلق الجديد إظهار للحق فيما لا يتناهى من صور الممكنات التي يتحقق فيها وجوده . فإذا نظرنا إلى الخلق من ناحية الحق ، قلنا إن الحق « ينزل » إلى أعيان الممكنات ويتجلى فيها ، وإذا نظرنا إليه من ناحية الممكنات نفسها وإظهارها للحق ، قلنا إنها « تصعد » أو « ترقى » إليه . ولا تزال الممكنات في هذا النوع من الترقي نحو الحق لأن الحق لا يزال يتجلى لها في مختلف صورها . وهو بتجليه لها أو فيها يظهر وجوده ويتحقق ، وهي بقبولها ذلك التجلي يتحقق وجودها فيه . فالترقي المذكور إذن هو التجلي الإلهي في الصور ، وهو فيض الوجود الدائم من الحق إلى الخلق ، سواء في هذه الدار أو في الدار الآخرة - لا بداية له ولا نهاية : هو الفيض المقدس الذي أشرنا إليه سابقاً . ولكنه فيض يختلف اختلافاً جوهرياً عن الفيض الذي يتحدث عنه أفلوطين ، لأن الفيوضات الأفلوطينية وإن كانت ترجع إلى أصل واحد ، ليست هي هذا الواحد ولا مظهراً من مظاهره كما أنها لا تلحقه أبداً ولا ترد إليه بحال . والتجليات عند ابن عربي هي الحق نفسه مهما اختلفت صورها . أما ما ذكرناه من هذه الدار والدار الآخرة فليس لهما معنى عنده إلا حال ظهور الموجودات في صورة ما وحال اختفاء هذه الصورة . فالدار الآخرة موجودة في هذا العالم ، بل موجودة في كل آن بالنسبة إلى كل موجود . هي جزء من ذلك الزمان الأزلي الذي تظهر فيه صور الموجودات وتختفي على الدوام . ( 13 ) « لكن عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ، وعثرت عليه الحسبانية في العالم كله » . بعد أن فسر « الخلق » بأنه محض ظهور الحق في صور أعيان الممكنات على
فصوص الحكم — صفحة 151 | ابن عربي