وأشهد كبار العلويّين والعبّاسيّين ، وأمراء الجيش ، والكتّاب ، والقضاة ، والفقهاء ، والمعدّلين على أنّ الإمام مات حتف أنفه . ثمّ دفنوا جثمانه الطاهر في البيت الذي دفن فيه أبوه . وبذل الحاكم العبّاسيّ وأعوانه قصارى جهودهم في البحث عن ابن الإمام . ولمّا لم تثمر جهودهم شيئا ، ولم تلد تلك الجارية التي توهّموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين أو أكثر ، عزم السلطان العبّاسيّ على تقسيم ميراث الإمام العسكريّ عليه السّلام ، فنشب نزاع بين حديث والدة الإمام وبين أخيه جعفر لأجل ذلك .
ومع أنّ والدة الإمام أثبتت عند القاضي أنّها الوارثة الوحيدة للإمام لكنّ جعفرا عارضها وسعى بها عند السلطان ، واستعان به في الحصول على ميراث أخيه .
ومكث السلطان سبع سنين ، ثمّ قسّم تركة الإمام بين حديث وجعفر « 1 » .
وكان جعفر مقبلا على الدنيا لاهيا ، طالبا لمنصب أخيه ، فتشبّث بشتّى الحيل كي يعرف بهذا المنصب . وكان يشي عند المعتمد بأصحاب الإمام العسكريّ الذين كانوا يرون أنّ ولده الصغير الغائب هو الإمام الثاني عشر وهو حجّة الحقّ على الخلق .
وممّا قام به أنّه حرّض السلطان على تكبيل صيقل « 2 » جارية الإمام العسكريّ ووالدة الإمام المهديّ ، ومطالبتها بولدها القائم ، فأنكرت ذلك وادّعت الحبل لتردع جلاوزة السلطان عن التجسّس في أمر الإمام . فأوقفها المعتمد في حرمه ، وتولّى نساؤه وجواريه وأخوه الموفّق وخدمه ونساء القاضي ابن أبي الشوارب « 3 » رعايتها والقيام بأمرها . واستمرّت هذه الحالة إلى أن تضعضعت أركان الحكومة سنة 263 ه ، بفعل الهزّات التي تعرّضت لها ، كاستيلاء يعقوب بن ليث الصفّار على
هامش
( 1 ) - كمال الدين 25 - 26 و 34 و 47 و 261 و 262 ؛ فرق الشيعة 79 ؛ الغيبة للشيخ الطوسيّ 141 - 142 ؛ الفصل في الملل والأهواء والنّحل 4 : 93 .
( 2 ) - اختلف الرواة والمؤلّفون في اسم أمّ الإمام ، فمنهم من قال : صيقل ومنهم من قال : ريحانة ومنهم من قال : سوسن ، ومنهم من قال : نرجس .
( 3 ) - المقصود عليّ بن أبي الشوارب محمّد الذي نصب قاضيا للقضاة في سنة 262 ه .