شرح
ما ضاق الوقت من الواضحات فلا بد من مخالفة القاعدة فيه ، وبما ذكرناه يظهر ما
في كلمات القوم في المقام .
وأما المورد الثالث ، فعلى القول بعدم جواز التصرف المتلف للمال المخرج
إياه عن ملكه هل يبطل ذلك التصرف ، فلو وهب ماله مثلا لا يصير ملكا
للمتهب ، أم يصح ؟ وجهان ، مقتضى القاعدة هو الثاني لأن الذي دل عليه
الدليل هو وجوب إبقاء المال وجوبا مقدميا ، وقد حقق في محله أن وجوب المقدمة
عقلي لا شرعي ، مع إنه لو سلم كونه شرعيا ، الأمر بالشئ لا يقتضي النهي
عن ضده فلا يكون الاتلاف حراما ، أضف إلى ذلك أن النهي عن المعاملة إن لم
يكن إرشاديا ولا نهيا عن الآثار - كالتصرف في الثمن - لا يستلزم فسادها ، كان
النهي متعلقا بالاعتبار النفساني أو ما يكون مظهرا إياه من قول أو فعل ، أو
بعنوان خارجي منطبق عليه كما حقق في الأصول وبيناه في أول الجزء الأول من كتابنا
منهاج الفقاهة ، وعليه ففي المقام ما أن حرمة التصرف لو ثبتت ليست من قبيل
أحد الأولين فلا تستلزم فساده .
وأما المورد الرابع وهو أنه لو فعل ذلك وأخرج المال عن ملكه فهل يكشف
عن عدم وجوب الحج عليه أم لا ؟
أقول : بناء على ما اخترناه في وجه حرمة التصرف المتلف يكون وجوب الحج
باقيا فإن القيد هو الاستطاعة التي لو لم يتلفها عمدا لكانت باقية فهي بعد الاتلاف
باقية فيجب الحج ، وكذلك بناء على الوجه الثاني بل الأول أيضا .
وقد استدل على بقاء وجوبه بوجهين آخرين :
أحدهما : أن النصوص الدالة على تقديم الحج على الدين المتقدمة في المسألة
المتقدمة تدل عليه ، بتقريب : أنه لو كان ينتفي وجوب الحج بإتلاف المال عمدا لم
يكن وجه لتقديم الحج ، لامكان أن يؤدي دينه بماله ويوجب ذلك انتفاء وجوب