شرح
الثانية : في أنه على كل من التقديرين هل يصح جعله عوضا أم لا ؟
أما الجهة الأولى : فالحق أنه مال ، لأن المالية من الاعتبارات العقلائية وإنما
تعتبر للشئ من جهة كونه مما يرغب إليه ويميل إليه النوع ، أو أن نظام الاجتماع
يتوقف عليه ، كما في اعتبار المالية للذهب والفضة ، وهذا الذي يسمى بالمال تارة
يعتبرونه ملكا لشخص وأخرى لا يعتبر ذلك كما في المباحات الأصلية ، وعلى هذا فمن
الواضح أن عمل الحر وإن لم يكن ملكا لفاعله - لأن ملكية العمل إنما تكون عن
سبب وهو مفقود - إلا أنه مال ولا فرق بينه وبين عمل العبد ، ولا بين قبل وقوع
المعاوضة عليه وبين بعده .
واستدل لعدم كونه مالا بوجوه :
الأول : إن المالية صفة وجودية ، ولا بد لها من محل ، والعمل المعدوم لا يكون محلا
لها .
الثاني : أنه لو كان عمل الحر مالا وكان صاحبه ذا مال ، لتعلق به الاستطاعة
إذا كان قادرا على عمل ، يكون عوضه مما تحقق به الاستطاعة وخرج عن كونه
فقيرا .
الثالث : أنه لو كان مالا لكان حابسه ضامنا .
وفي كل نظر : أما الأول : فلما مر من أن الأمور الاعتبارية تقوم بمحل يكون
موجودا تقديرا ، والمقام كذلك ، فإن عمل الحر يقدر وجوده بتبع وجود العامل وقدرته
عليه .
وأما الثاني : فلأن الاستطاعة تتوقف على الملكية وكون الشخص ذا مال ،
وعمل الحر وإن كان مالا إلا أنه ليس ملكا لعامله ، فلا تتحقق به الاستطاعة نعم لمجرد
سلطنته على تمليكه للغير يخرج عن كونه فقيرا ولا يصدق عليه هذا العنوان .