شرح
ولو تنزلنا عن ذلك فالمتعين هو الوجه الثاني لعدم جواز تملك مال الغير
والتصدق به .
وما استدل به على وجوب التصدق من أنه احسان بالمالك ، وأنه أقرب طرق
الايصال إلى المالك ، وأن الابقاء معرض للتلف . كلها كما ترى ، إذ لا دليل على جواز
الاحسان بمال الغير ، وإن شئت قلت : إنه ليس احسانا ، فإن التصرف في مال الغير
بغير إذنه ظلم وإساءة لا عدل واحسان ، والدليل إنما دل على لزوم ايصال المال إلى
مالكه لا على لزوم أقرب طرق الايصال إليه أو جوازه ، وكون الابقاء معرضا للتلف
لا يوجب جواز اتلافه .
لا يقال : إنه بعد العلم الاجمالي بتخصيص ما دل على عدم جواز التصرف في
مال الغير ما لم يحرز رضاه به بواحد من التصدق والامساك للأبدية أحدهما وكل منهما
في نفسه تصرف لم يؤذن فيه لا مانع من التمسك بأدلة التصدق ، إذ المانع ليس إلا عدم
جواز التصرف في مال الغير الساقط في المقام .
فإنه يرد بأن التصدق اتلاف لمال الغير ، وهو محرم ، وإن لم يكن دليل على حرمة
التصرف في مال الغير ، وبعبارة أخرى : التصدق تصرف واتلاف ، فعدم الدليل على
حرمته من الجهة الأولى لسقوط ما دل على حرمة التصرف لا يستلزم سقوط ما دل
على حرمته من الجهة الثانية . وإن شئت قلت : إنه إنما يحكم بعدم شمول أدلة حرمة
التصرف للتصدق والامساك للعلم بعدم شمولها لهما معا ، وعليه فإن كان شمولها
لأحدهما دون الآخر ترجيحا بلا مرجح لا تشمل شيئا منهما ، وإلا فتشمل ما فيه
الترجيح ، وحيث إن التصدق يكون اتلافا أيضا فتشمله تلك الأدلة خاصة ، مع أنه لو
سلم شمول أدلة التصدق له من طرف المتصدق لكنها معارضة مع أدلة عدم جواز
التصرف فيه من ناحية المتصدق عليه فتتساقطان ويرجع إلى أصالة الفساد .