الفصل الثالث والستون
في التشبيه بغير أداة التشبيه
وهذه طريقة أنيقة غَلَبَ عليها المحدِّثون المتقدمين فأحسنوا وظَرُفوا ولَطُفوا وأرى أبا نواس السَّابق إليها في قوله [ من السريع ] :
تَبْكي فَتُلْقي الدُّرَ مِنْ نَرْجِسٍ * وتَلْطِمُ الوَردَ بِعُنَّابِ
فشبه الدمع بالدُّر والعين بالنرجس والخدّ بالورد والأنامل بالعنَّاب من غير أن يذكر الدّمع والعين والخدّ والأنامل ومن غير أن استعان بأداة من أدوات التشبيه ، وهي : كأنّ وكاف التشبيه ، وحَسِبتُهُ كذا ، وفلان حسن ولا القمر ، وجوادٌ ولا المطر . وقد زاد أبو الفرج الوَأوَاءِ على أبي نواس فخمَّس ما ربَّعَهُ بقوله [ من البسيط ] :
وأمطَرَتْ لُؤلُؤاً من نَرْجِسٍ وسَقَتْ * وَرْداً وعَضَّتْ على العُنَّابِ بالبرَدِ
والزِّيادة في تشبيه الثَّغر بالبرَد . ومن هذا الباب : قول أبي الطَّيب المتنبي [ من الوافر ] :
بدَت قَمراً ومالَتْ خُوطَ بان * وفاحَتْ عَنْبَراً ورَنَتْ غَزالا
وقول أبي القاسم الزّاهي [ من الطويل ] :
سَفَرْنَ بُدوراً وانْتَقَبْنَ أهِلَّةً * ومِسْنَ غُصوناً والتَفَتْنَ جَآذِرا
فقه اللغة وسر العربية — صفحة 343
مساهمون: عبد الملك الثعالبي النيسابوري
ص٣٤٣