شرح
وأعلم أن الموضحة تتعدد صورة ، وحكما ، ومحلا ، وفاعلا ، فلو أوضح الجاني مع اتحاد الحكم موضعين بينهما لحم ، وجلد معا . قيل : أو بينهما لحم فقط ، أو جلد فقط ، فموضحتان أما في الأولى فلاختلاف الصورة مع قوة الحاجز ، وأما في الثانية فلوجود حاجز بين الموضعين ، والأصح أنها واحدة ، ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط ، وقيل : لا يجب أكثر من دية النفس .
قالوا : ولو انقسمت موضحته عمدا ، وخطأ فموضحتان ، أو شملت رأسا ووجها فموضحتان ، على الصحيح ، ولو وسع الجاني موضحته مع اتحاد الحكم فواحدة على الصحيح وقيل : ثنتان . ولو وسع غير الجاني الموضحة ، فثنتان ، لأن فعل الإنسان لا يبني على فعل غيره . كما لو قطع يد رجل ، وحز آخر رقبته ، فإن على كل منهما جنايته . والجائفة كالموضحة في الاتحاد ، والتعدد المتقدم . ولو طعنة بآلة طعنة نفذت في بطنه وخرجت من ظهره ، أو عكسه أو نفذت من جنب وخرجت من جنب فهما جائفتان في الأصح . اعتبارا للخارجة بالداخلة ، وقد ثبت أن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه قضى في رجل رمى رجلا بسهم فأنفذه بثلثي الدية ، وثبت أيضا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه قد قضى بهذا الحكم ، ولا مخالف لهما فكان إجماعا أ . ه .
المالكية رحمهم الله تعالى - قالوا : يقتص من الموضحة . ويقتص مما قبلها من كل ما لا يظهر به العظم وهي ستة . ثلاث متعلقة بالجلد ، وهي ، الدامية ، والحارصة والسمحاق ، وثلاث متعلقة باللحم ، وهي : الباضعة ، والمتلاحمة ، والملطاء ، بكسر الميم .
قالوا : والهاشمة ، تعتبر في القصاص ان اتخذ المحل ، بالمساحة طولا ، وعرضا ، وعمقا ، وما بعد الموضحة من الشجاج فلا قصاص فيه ، بل يتعين فيه العقل ، فيستوي عمده ، وخطؤه ، وهي : المنقلة ( بفتح النون وكسر القاف مشددة ) وهي لا تكون إلا في الرأس ، أو الوجه ، وهي ما ينقل فيها فراش العظم ، وهو العظم الرقيق الكائن فوق العظم كقشر البصل ، أي ما يزيل منها الطبيب فراش العظم لأجل الدواء ، ليلتئم الجرح . وانما لم يكن فيها قصاص لشدة خطرها على النفس ، وإزهاق الروح .
وآمة . بفتح الهمزة ممدودة ، وهي ما أفضت لأم الدماغ ، أي الجرح الواصل لأم الدماغ ، ولم تخرقها . وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه ، متى انكشفت عنه مات ، والدماغ اسم للمخ .
قالوا : ولا يجب القصاص ان عظم الخطر واشتد الخوف في غير الجراحات التي بعد الموضحة . أي جراح الجسد غير المنقلة ، والآمة ، المتقدمتين . لأنه لا قصاص فيهما