شرح
فإن قيل : لما لم يحلف الأول مع من وافقه منهما ، أو يأخذ البدل كنظيره من السرقة .
أجيب : بأن باب القسامة ، أمره أعظم ، ولهذا غلظ فيه بتكرير الايمان .
هذا إذا شهد على الفعل ، فلو شهد على الإقرار لم يضر اختلافهما في الزمان ، ولا في المكان ، لأنه لا اختلاف في القتل وصفته : بل الاختلاف في الإقرار .
نعم : ان عينا يوما ، في مكانين متباعدين بحيث لا يصل المسافر من أحدهما إلى الآخر في الزمان الذي عيناه ، كأن شهد أحدهما بأنه أقر بالقتل بمكة يوم كذا ، والآخر أقر بأنه قتله بمصر في تاريخ ذلك اليوم ، فتلغو الشهادة ولا تقبل .
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا : من قتل وله ابنان حاضر وغائب ، فأقام الحاضر البينة على القتل ، ثم قدم الغائب فإنه يجب عليه أن يعيد البينة عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن استيفاء القصاص حق الوارث عنده ، ولأن القصاص طريق الخلافة دون الوراثة ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت ، والميت ليس من أهله ، بخلاف الدين ، والدية ، لأن الميت من أهل الملك في الأموال ، كما إذا نصب شبكة في حياته فتعلق بها صيد بعد مماته ، فإنه يملكه ، وإذا كان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الباقين ، فيعد البينة بعد حضوره ، احتيالا للدرء .
وقال الصاحبان : إذا حضر الغائب فلا يعيد إقامة البينة ، لأن استيفاء القصاص حق المورث ، فإن القصاص طريقه طريق الوراثة ، كالدين ، وهذا لأنه عوض عن نفسه ، فيكون الملك فيه لمن له الملك في المعوض ، كما في الدية ، ولهذا لو انقلب ما لا يكون للميت ، ويسقط بعفوه بعد الجرح قبل الموت ، فينتصب أحد الورثة خصما عن الباقين ، فلا يعيد البينة بعد حضوره . أما إذا كان القتل خطأ ، وحضر الغائب فلا يجب عليه إعادة البينة بالإجماع .
فإن أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا عن القصاص ، فالشاهد من أولياء الدم خصم له ، ويسقط القصاص ، لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص ، إلى مال ، ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغائب ، فينتصب الحاضر خصما ، عن الغائب ، وكذلك عبد بين رجلين قتل عمدا ، وأحد الرجلين غائب فهو على هذا ، فإن كان الأولياء ثلاثة ، فشهد اثنان منهم على الآخر انه قد عفا ، فشهادتهما باطلة ، وهو عفو منهما ، لأنهما يجران بشهادتهما إلى أنفسهما مغنما ، وهو انقلاب القود مالا ، فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثا ، لأنه لما صدقهما وحده ، فقد أقر بثلثي الدية لهما ، فصح إقراره الا أنه يدعي سقوط حق المشهود عليه ، وهو ينكر فلا يصدق ، ويغرم نصيبه ، وأما ان كذبهما القاتل فلا شيء لهما ، وللغائب ثلث الدية ، لأنهما أقرا على