شرح
يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم فيها ، فقولوا له إن الله اذن لنبيه ، ولم يأذن لكم ، وانما اذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم ، كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب « فقيل لأبي شريح ما قاله لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح : ان الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بجزية » وقيل : الجملة إنشائية معنى - أي آمنا من القتل ، والظلم ، الا بموجب شرعي ، وهذا هو الإثم الذي ذكره الله تعالى بقوله * ( ومَنْ يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْه مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) * ( الحج / 25 ) .
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا : إذا قتل رجل إنسانا عمدا خارج الحرم ، ثم لجأ اليه ليفر من القصاص ، وأقام بالحرم ، أو وجب القتل عليه ردة ، أو زنا وهو محصن ، أو بسبب خروجه على جماعة المسلمين ، ثم لجأ إلى الحرم بمكة المكرمة ، فلا يجب قتله ما دام في الحرم ، لحرمة القتل في الحرم ، لقوله تعالى * ( ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ) * يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن ، من كل سوء ، فمن عاذ بالبيت أعاذه البيت ، وورد في الصحيحين عن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم قال يوم فتح مكة « ان هذا البلد حرم الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكة ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته ، إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها » ، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : « الا الإذخر » وقد ورد في تأمين من دخل الحرم عدة آيات منها قوله تعالى * ( وإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وأَمْناً ) * ومنه قوله تعالى * ( وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ) * ( البقرة / 125 - 126 ) ، وقال تعالى * ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) * ( قريش / 4 ) - مظاهر الآية الكريمة الأخبار عن كون من دخله آمنا ، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمنا فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على الأمر ، أي - آمنوا من دخل الحرم - وترك العمل به في الجنايات التي دون النفس لأن الضرر فيها أخف من قتل النفس ، وفيما إذا وجب على الجاني القصاص لجناية ارتكبها داخل الحرم ، فإنه يجوز أن يقتل في الحرم في هذه الحالة ، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فلا يحترم دمه ، أما إذا ارتكب الجناية خارج الحرم ثم التجأ إليه فلا يستوفي فيه بل يجب أن يضيق عليه ، فيمنع من الطعام والشراب ، والكلام ، والمعاملة حتى يخرج من الحرم فيستوفي منه القصاص ، ويقتل ، أو يموت داخل الحرم بالجوع والصد ، وذلك تعظيما لحرمة البيت الحرام .
الحنابلة - قالوا : لا يستوفي من الملتجئ إلى الحرم قصاصا مطلقا ، سواء ارتكب الجناية خارج الحرم والتجأ اليه ، واحتمى به ، وارتكب جناية داخل الحرم ، واعتصم