شرح
العمد والخطأ ، الا أنه تقيد بوصف العمدية ، بالحديث النبوي المشهور ، الذي تلقته الأمة بالقبول ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام « العمد قود » - أي موجبه قود . لأن الحديث لو لم يكن يوجب تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط ، فلا يكون لذكر لفظ العمد فائدة .
قالوا : ولأن الجناية بالعمدية تتكامل ، وحكمة الزجر عليها تتوفر ، والعقوبة المتناهية لا شرع لها دون ذلك .
وأما السنة فقوله صلوات الله وسلامه عليه : « من قتل قتلناه » وقوله عليه الصلاة والسلام : « كتاب الله القصاص » وقوله عليه الصلاة والسلام : « لا يحل دم امرء مسلم يشهد إلا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » واتفق عليه .
وروي عن السيدة عائشة رضي اللَّه عنها عن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « لا يحل قتل مسلم الا بإحدى ثلاث خصال ، زان محصن فيرجم ، ورجل قتل مسلما متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج عن الإسلام ، فيحارب الله ورسوله ، فيقتل ، أو يصلب ، أو ينفى من الأرض » رواه أبو داود ، والنسائي ، وصححه الحاكم ، والأحاديث في ذلك كثيرة .
وعليه إجماع الأمة من غير مخالف منه ، ويؤيده العقل السليم ، لأن المال لا يصلح موجبا في القتل العمد ، لعدم المماثلة ، لأن الآدمي مالك مبتذل ، والمال مملوك مبتذل ، فانّا يتماثلان ، بخلاف القصاص ، فإنه يصلح موجبا للتماثل ، وفيه زيادة حكمة وهي مصلحة الأحياء زجرا للغير عن وقوعه فيه ، وجبرا للورثة فيتعين ، وإنما وجب المال في الخطأ أولا ، ضرورة صون الدم عن الإهدار فإنه لما لم يكن الاقتصاص فيه ، هدر الدم لو لم يجب المال ، والآدمي مكرم لا يجب إهدار دمه ، على أن ذلك ثابت بنص القرآن الكريم .
والقصاص شرع لمعنى النظر للولي على وجه خاص ، وهو الانتقام ، وتشفي الصدر ، فإنه شرع زجرا عما كان عليه أهل الجاهلية من أفناء قبيلة بواحد ، لا لأنهم كانوا يأخذون أموالا كثيرة عند قتل واحد منهم ، بل القاتل وأهله لو بذلوا ما ملكوه وأمثاله ، ما رضي به أولياء المقتول ، فكان إيجاب المال في مقابلة القتل العمد تضييع حكمة القصاص ، وإذا ثبت أن الأصل هو القصاص لم يجز المصير إلى غيره بغير ضرورة - مثل أن يفقد أحد الأولياء .