شرح
هاتين الشجرتين النخلة والعنبة » رواه الجماعة إلا البخاري ، وما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : « إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر » متفق عليه .
وما روى عن جابر رضي الله عنه : « إن رجلا من جيشان ، وجيشان من اليمن - سأل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر ، فقال : أمسكر هو ؟ قال : نعم . فقال : كل مسكر حرام . إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر إن يسقيه من طينة الخبال - قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال :
عرق أهل النار أو عصارة أهل النار « رواه أحمد ، ومسلم ، والنسائي ، فهذا يدل على تحريم كل مسكر ولو كان من غير عصير العنب فإن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « كل مسكر حرام » ولم يذكر نوع الشراب ولم يحدده . فهذه الأحاديث التي ذكرناها وغيرها ممن لم نذكره دالة على أن كل مسكر فهو حرام .
النوع الثاني من الأدلة على أن كل مسكر حرام سواء أكان من عصير العنب أم من غيره من أنواع الأنبذة ، التمسك بكلام أهل اللغة . فقد قالوا : إن الخمر ما خامر العقل - أي غطاه وخالطه فلم يتركه على حاله - والعقل هو آلة التمييز فلذلك حرم ما غطاه ، لأنه بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه . والعقل هو الجوهرة التي كرم الله بها بني آدم على جميع خلقه ، وسلطة بسببها على ما في الأرض والتمتع بها ، والتمكن من الصناعات وغيرها . وقوة الإدراك هي التي يتميز بها الحق من الباطل ، والحلال من الحرام ، والحسن من القبيح ، ويتحصل بها العلوم والمعارف . ولشرفها ومكانتها حرم الله تعالى الخمر التي تغطيها وتخامرها ، قال ابن الأنباري : سميت خمرا لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه . كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل ، أي تحجزه ، وتمنع وصول نوره إلى الأعضاء .
وقال الراغب في كتابه « مفردات القرآن » : سمي الخمر لكونه خامرا للعقل ، أي ساترا له ، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر . وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة . وعند بعضهم المتخذ من العنب والتمر . وعند بعضهم لغير المطبوخ ، رجح أنه اسم لكل شيء ستر العقل . وكذا قال غير واحد من أهل اللغة ، منهم الدينوري ، والجوهري .
قال صاحب الهداية من الحنفية : الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد ، وهو المعروف عند أهل اللغة ، وأهل العلم . قال : وقيل هو اسم لكل مسكر لقوله صلَّى اللَّه عليه وسلم « كل مسكر خمر » ولأنه من مخامرة العقل ، وذلك موجود في كل