وعلى أن الآية الكريمة قد أشارت إلى أهم شرط من هذه الشروط . وهو أن يكون المقذوف محصنا ، ذكرا كان ، أو أنثى ، ومعنى إحصانه هنا ( 1 ) ، أن لا
شرح
القذف ، وفسره به وجب إقامة حد القذف عليه ، وإن لم ينو لا حد عليه ، والقول قوله مع يمينه .
الحنابلة - في روايتهم الثانية - قالوا : يجب الحد على الإطلاق ، نوى أو لم ينو ، خصوصا إذا كان في حالة غضب وثورة ، لأنها قرينة تفيد أنه يقصد إهانته ، وإلحاق العار بالمقذوف .
عدم قبول شهادته [ 1 ]
اتفق الأئمة على أن القاذف لا تقبل شهادته بعد إقامة الحد عليه ، لأن الشارع قد رتب على قذف المحصن أو المحصنة ثلاثة أشياء ، الجلد ثمانون جلدة ، ورد الشهادة أبدا ، والحكم عليه بالفسق ، حيث قال تعالى * ( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ، ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ، وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * أما الجلد فللزجر ، ولمقابلة الإيذاء بالإيذاء ، وأما رد الشهادة فهي عقوبة لسانية تشبه قطع يد السارق ، فكأنه روعي أن جزاء هذا اللسان الذي اقترف ذلك الإثم العظيم ، أن يهدر ويقطع أثره ، فلا يعتد بما يقوله ، ويشهد به فيما بين الناس ، فهو والعدم سواء ، وأما تفسيقه فهو مبالغة في الزجر ، وإشارة إلى أن ما لقي من جزاء في الدنيا من الحد ورد الشهادة لم يعفه من اعتباره فاسقا خارجا عن أمر ربه وطاعته تبارك وتعالى ، وناهيك بهذه الجزاءات دلالة على عظم الخطب ، وشدة الخطر ، وإذا كان في الرمي بالزنا والاتهام به ، فكيف يكون حال مقترف هذا الجرم الفاحش الشنيع ، فهذا الحكم مع دلالته على ما سبق له ، يدل دلالة بالغة على تفظيع جرم تلك الفاحشة ، وتشنيع أمرها ، وعناية الشارع بالتنزيه عنها والتنفير منها حتى يتطهر المجتمع من آثامها . وإذا حد الكافر في قذف لم تجز شهادته على أهل الذمة ، فترد تتمة لحده .
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : الإحصان في المقام بمعنى العفة كما هو المستعمل فيه في عدة من الآيات والروايات وقد ورد التقييد بذلك في عدة من الروايات منها صحيحة عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد الله ( ع ) يقول لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزنا لا نعلم منه الا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطا « 277 » .
هامش
[ 1 ] أهل البيت ( ع ) : من قذف محصنا أو محصنة لم تقبل شهادته بعد ذلك إلا أن يتوب ويرجع وحد التوبة والرجوع عما قذف هو أن يكذب نفسه في ملأ من الناس في المكان الذي قذف فيه فيما قاله فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته بعد ذلك « 278 » .
« 277 » تكملة منهاج الصالحين 1 / 257
« 278 » النهاية سلسلة الينابيع الفقهية 23 / 105