شرح
الستر ، وافتضاح السوءات ، وانتهاك الحرمات ، والدلالة على عدم الغيرة ، الذي هو سمات أخس الحيوانات ، ما قارف به كل الموبقات ، فإن كان المرمى به امرأة كان فيه من جلب العار على قومها ، ما يؤدي إلى سفك الدماء . وقلما تغسل ذلك العار الا بسفك الدماء ، وإن كان المرمي به رجلا ، كان فيه الدلالة على أنه ليس للعرض في نظره كرامة ، ولا للغيرة عن نفسه سلطان ، وكان أمارة على أنه لو أصيب بما أصاب به الناس لاعتبره أمرا عاديا ، لا تثور له نفسه ، ولا يغلي له دمه ، ولذلك قيل : لا يزني الغيور - وكفى بهذا عارا ، وعيبا يلحق الأبناء ، والأحفاد ، وتبقى سيرته طوال الأحقاب .
وقد أجمع الفقهاء - على أن المراد بالرمي هنا في الآية الكريمة إنما هو الرمي بالزنا خاصة دون الرمي بالجرائم الأخرى . لعدة قرائن - منها - مجيء الآية بعد آية الزنا ، ومنها - التعبير - بالمحصنات وهي العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي ، ورميهن بضد العفاف . ومنها - قوله * ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) * يعني على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا ، ومنها - انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا ، فيجب أن يكون المراد بالرمي ، في الآية ، هو الرمي بالزنا خاصة ، من بين سائر العيوب .
واتفق الفقهاء : على أنه لا يقام حد القذف على القاذف إلا إذا طلب المقذوف بنفسه إقامة حد القذف على قاذفه . لأنه حقه من حيث دفع العار الذي لحقه ، فلو عفى عنه وتركه ، ولم يطلب إقامة الحد عليه ، فلا يقام الحد عليه .
ألفاظ القذف
ألفاظ القذف تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، صريح ، وكناية ، وتعريض .
واتفق الفقهاء على أن الحد يقام بالقذف باللفظ الصريح [ 1 ] ، كأن يقول : يا زانية ، أو زنيت ، أو زنا قبلك ، أو دبرك ، ولو قال : زنا بدنك فيه وجهان ، أحدهما كناية كقوله زنا يدك ، لأن حقيقة الزنا من الفرج ، فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة ، والثاني
هامش
[ 1 ] أهل البيت ( ع ) : يعتبر في القذف أن يكون بلفظ صريح أو ظاهر معتمد عليه وأن يكون القائل عارفا بما وضع له اللفظ ومفاده في اللغة التي يتكلم بها فلو قال عجمي أحد الألفاظ المذكورة مع عدم علمه بمعناها لم يكن قاذفا ولا حد عليه ولو علم المخاطب وعلى العكس لو قاله العارف باللغة لمن لم يكن عارفا فهو قاذف وعليه الحد « 275 » .
« 275 » تحرير الوسيلة 2 / 430