تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
شرح
الناس بالباطل . فكان من الحكمة ، أن يقسوا عليها الشرع في أحكامه حتى تردع عن غيها ، وترجع عن أجرامها . * ( والله عَزِيزٌ ) * في انتقامه ، لا يغالب ، بل يقهر الجبارين المعتدين ، * ( حَكِيمٌ ) * في أمره ، ونهيه وشرعه وقدره ، وفيما يشرعه من أحكام لعباده ، صيانة لمصالحهم ، وحفظا لأموالهم وأروحهم ، وجلبا لسعادتهم في هذه الحياة ، وتطهيرا للمجتمع من المفسدين والعابثين ، ولأن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ، ثم الحكمة الأولية حكمة فيها الاختصاص الذي هو الملك الملك شرعا ، وبقيت الأطماع متعلقة بها ، والآمال محومة عليها ، فتكفها المروءة ، والديانة في أقل الخلق ، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم ، فإذا أحرزها مالكها ، فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان ، فإذا هتكا فشت الجريمة ، فعظمت العقوبة ، وإذا هتك أحد الصورتين وهو الملك . وجب الضمان والأدب ، حتى يرتدع المعتدون ، الذين لا يخافون الله واليوم الآخر ، فلعنة الله على السارق الخائن ، الذي يبذل الغالية الثمينة ، في الأشياء المهينة . قالوا : وقد بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل ذكر السارقة ، وبدأ بذكر الزانية في آية الزنى قبل ذكر الزاني . لأن حب المال في قلوب الرجال أغلب منه في قلوب النساء فقدم ذكر الرجال في السرقة ، ولأن شهوة الاستمتاع باللذة على النساء أغلب منها على الرجال ، فقدم ذكر النساء في آية الزنى . والله أعلم . وقد جعل الله تعالى حد السرقة اليد لتناول المال بها ، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر ، مع مواقعة الفاحشة به ، لثلاثة معان . أحدها - أن للسارق مثل يده التي قطعت ، فان انزجر بها اعتاض بالثانية ، وقضى بها مآربه ، ولكن ليس للزاني مثل ذكره ، إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه ، الثاني - ان الحد زجر للمحدود وغيره ، وقطع اليد في السرقة ظاهر يراه الناس بالعيان فيعتبروا به ، أما قطع الذكر في الزنى ، فهو باطن ، فلا يراه أحد للعبرة . الثالث : أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل ، وليس في قطع اليد إبطاله ، ثم قال الله * ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ والله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * فالآية خطاب للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم وغيره - اي لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه توجب المحاباة . والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد ، وله أن يحكم بما يريد ، ويفعل ما يشاء ، لأنه مالك الملك ، فيعذب من يشاء بعدله ، ويغفر لمن يشاء بجوده وكرمه ، وهو على كل شيء قدير ، والله أعلم .