شرح
والفساد قد عم كل مكان ، والسرقات من الأفراد والجماعات والحكومات سرا وعلانية ، بل إن العصابات تسطوا على الناس في الشوارع والطرقات في الليل ، ورابعة النهار ، وفي المحلات والسيارات والمركبات . وذلك كله لعدم تنفيذ حدود الإسلام ، والتمسك بأحكام الشريعة الغراء .
فتنفيذ حد السرقة هو العلاج الوحيد لهذه الفوضى التي نعيش فيها في هذا الزمان . كما أنهم طعنوا في أحكام الشريعة وقالوا - جهلا منهم - إن اليد إذا اعتدى عليها تقوم في الدية بخمسمائة دينار من الذهب الخالص . فكيف تقطع في ثلاثة دراهم وهو مال حقير ، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء ، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ، ونظم في ذلك شعرا دل على جهله ، وقلة عقله فقال :يد بخمس مئين عسجد وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض حالنا الا السكوت له
وان نعوذ بمولانا من النارولما قال ذلك واشتهر عنه تطليه الفقهاء ، فهرب منهم ، وقد أجابه الناس [ 1 ] في ذلك بأجوبة كثيرة ، وكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى أن قال : لما كانت أمينة كانت ثمينة ، ولما خانت هانت « ومنهم من قال : هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة ، فإن باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار ، لئلا يجنى عليها ، إكراما لبني آدم ، وتعظيما لمكانته ، ورفعة لحرمته ، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار ، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال ، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي العقول والألباب ، ولهذا قال تعالى * ( جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ الله ، والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * . أي مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم ، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك * ( نَكالًا مِنَ الله ) * أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب هذا الجرم الشنيع الذي لا يلجأ إليه إلا النفوس الخبيثة التي رق دينها ، ونسيت مراقبة الله لها ، وباعت آخرتها بدنياها ، فتعدت حدود الله من غير خوف ولا وجل ، وتجرأت على أكل أموال
هامش
[ 1 ] أهل البيت ( ع ) : قد نظم السيد الإمام الكبير أبو الرضا الراوندي ( رضي الله عنه ) مجيبا لذلك المعري فقال :الله قوّمها تقويم خمس مئي
زجرا لقاطعها يا أيها الزاري
وقد رأى قطعها في الربع مصلحة
كي لا تغلّ ولا تغري بإضرار « 255 »
« 255 » فقه القرآن 23 / 188