شرح
فقد روي أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أمر بقطع يد السارق من الزند ، وقال لأصحابه « فاقطعوه واحسموه » ولأنه إذا لم يحسم العضو يؤدي إلى التلف ، لأن الدم لا ينقطع إلا به ، والحد زاجر غير متلف ، ولهذا لا يقطع وقت الحر الشديد ، والبرد الشديد ، لأنه يؤذي السارق ، ثم اختلف الأئمة فيما إذا عاد وسرق مرة ثالثة ، أيقطع أم لا ؟
الحنفية - قالوا : فان عاد وسرق بعد أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى يقف إيقاع الحد ولا يجب عليه القطع في المرة الثالثة ، بل يضمن السرقة ، ويحبس ويضرب حتى يتوب عن السرقة ، والأصل أن حد السرقة شرع زاجرا لا متلفا ، لأن الحدود شرعت للزجر عن ارتكاب الكبائر ، لا متلفه للنفوس المحترمة ، فكل حد يتضمن إتلاف النفس من كل وجه ، أو من وجه واحد لم يشرع حدا ، وكل قطع يؤدي إلى إتلاف جنس المنفعة كان إتلافا للنفس من وجه ، فلا يشرع ، وقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة ، والرجل اليمنى في المرة الرابعة يؤدي إلى إتلاف جنس منفعة البطش والمشي ، فلا يشرع حدا ، واليه الإشارة بقول علي رضي الله تعالى عنه : إني استحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ، ويستنجى بها ، ورجلا يمشي عليها ( وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم فانعقد إجماعا - جماعا ) .
وعن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه أتى برجل أقطع اليد ، والرجل قد سرق يقال له ( سدوم ) فأراد أن يقطعه فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : إنما عليه قطع يد ورجل ، فحبسه عمر رضي الله تعالى عنه ولم يقطعه ، ففتوى علي ، ورجوع عمر رضي الله عنهما إليه من غير نكير ، ولا مخالفة من غيرهما دليل على إجماعهم عليه ، أو أنه كان شريعة عرفوها من رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وهذا بخلاف القصاص ، لأنه حق العبد ، فيستوفي جبرا لحقه - ولأنه نادر الوجود ، فيندر أن يسرق الإنسان بعد قطع يده ، ورجله ، والحد لا يشرع إلا فيما يغلب .
وما روي من الحديث في قطع أربعة السارق ، طعن فيه الطحاوي رحمه الله تعالى . أو نقول : لو صح لاحتج به الصحابة ، على الإمام علي رضي الله عنه ، ولرجع إليهم وحيث أنه قد حجهم ورجعوا إلى قوله من غير معارضة منهم ، دل على عدم صحته .
فان كانت يده اليمنى ذاهبة ، أو مقطوعة ، تقطع رجله اليسرى من المفصل ، وأن كانت رجله اليسرى مقطوعة ، فلا قطع عليه ، لما فيه من الاستهلاك ، على ما بينا ، ويضمن السرقة ، ويحبس حتى يتوب .