شرح
هذا إذا لم يكن العرف على خلافه ، فإن كان العرف على أن ضرب المأمور ينسب إلى الآمر كما يقول الأب لابنه : غدا أعطيك « علقة » ثم يذهب لمؤدبه فيضربه بأمره فينسب الضرب للأب ، ويقال : إن الأب ضرب ابنه ، فإنه في هذه الحالة إذا حلف لا يضرب ابنه فأمر مؤدبه بضربه فإنه يحنث ، لأن ضرب المؤدب منسوب إليه ، وكذلك سائر العقود المذكورة إن كان الحالف بها ذا سلطان لا يباشر بنفسه فإنه يحنث إذا فعلها بنفسه أو بوكيله عملا بالعرف .
فهذه هي العقود التي لا يحنث فيها الآمر بفعل المأمور .
أما العقود التي لا ترجع حقوقها المترتبة عليها على من يباشرها بل ترجع على الآمر بها يحنث بفعل وكيله كما يحنث بفعل نفسه ، وهي ما عدا العقود التي ذكرت آنفا . ومنها النكاح فإن الحقوق المترتبة عليه ترجع للآمر ، فهو الذي يطالب بالمهر والنفقة والقسم وكل حقوق الزوجية المترتبة على العقد ، ولهذا ينسب الشخص المباشر إلى الآمر به فيقول : زوجت موكلي من فلانة ولا يحنث إلا بالعقد الصحيح « أما الفساد فلا يحنث به مطلقا .
ومنها الاستقراض « وهو أن يطلب شخص من آخر قرضا » فإذا حلف لا يستقرض شيئا ثم أرسل إلى رجل رسولا يستقرض له منه كذا من الدراهم فقال له : إن فلانا يستقرض منك كذا فإنه يحنث ولو لم يقرضه . أما إذا قال له الرسول : أقرضني كذا فإنه لا يكون استقراضا بل يكون قرضا للرسول ، ولهذا يصح التوكيل في القرض وفي قبضه كأن يقول له : أقرضني كذا ثم يوكل عنه من يقبضه : أما الاستقراض فإنه لا يصح التوكيل فيه ، بل يكون الرسول معبرا فقط ، لأنه يقول للمرسل إليه : إن فلانا يستقرض منك كذا فلا بد في الاستقراض من نسبته إلى الآمر ، وإذا أقرضه يكون المال للمرسل ، فإذا ضاع من الرسول كان المرسل ضامنا له بخلاف القرض ، فإنه يكون ملكا للوكيل وله أن يمنعه عن الآمر فلهذا يحنث في صورة الاستقراض لا في صورة القرض .
ومنها الهبة ، فإنه إذا حلف لا يهب لفلان كذا ، أو حلف لا يهب هذا الشيء بخصوصه أو حلف لا يهب وأطلق فإنه يحنث إذا وهب بنفسه . أو وكل عنه من يهب سواء قبل الموهوب له أو لم يقبل ، قبض أو لم يقبض ، وسواء كانت الهبة صحيحة أو لا ، وكذا إذا حلف ليهبن لفلان كذا فوهبه إياه فإنه يبر وإن لم يقبل الموهوب . ويشترط في الحنث في المثال الأول والبر في المثال الثاني : أن يكون الموهوب له حاضرا ، فلو وهب الحالف لغائب لا يحنث على أي حال . وإذا حلف لا يهب هذا الشيء لفلان ثم وهبه له على عوض فإنه يحنث ، أما إذا وكل أحدا فوهبه له على عوض فإنه لا يحنث .
وإذا حلف إن وهب لفلان كذا فعليه طلاق فوهب له فإنه يحنث وإن لم يقبل ، لما علمت من أن قبول الموهوب ليس شرطا في بر الحالف أو حنثه ، بخلاف ما إذا حلف لا يبيع لفلان كذا فباعه فلم يقبل فإنه لا يحنث . وكذا إذا حلف ليبيعنه كذا فلم يقبل فإنه لا يحنث ، والفرق أن الهبة عقد تبرع يتم بالمتبرع به فيكفي فيها الإيجاب ، بخلاف البيع فإنه عقد معاوضة لا بد فيه من فعل الجانبين البائع والمشتري ، فلا بدّ فيه من الإيجاب والقبول .
ومنها الصدقة ، فإنه إذا حلف لا يتصدق فإنه يحنث إذا تصدق بنفسه أو بوكيله ، سواء