شرح
وجود ناقض الوضوء من ريح ونحوه وخصوا الخبث بالأمور العينية المستقذرة شرعا ، كالدم . إلخ . ولعلّ قائلًا يقول : إن هذا التعريف يخرج الوضوء على الوضوء بنية القربة إلى اللَّه . فإن الوضوء الثاني لم يزل حدثا ولم يرفع خبثا ، مع كونه طهارة ، والجواب : أن الوضوء على الوضوء بنية القربى وإن لم يزل حدثا ، ولكنه يزيل الذنوب الصغائر ، وهي أقذار معنوية ، وقد عرفت أن اللغة تطلق الخبث على الأمور المعنوية ، والفقهاء وإن كانوا يخصون الخبث بالأمور الحسية ، ولكنهم يقولون : إن إزالة الأمور المعنوية يقال لها : طهارة ، فالوضوء على الوضوء طهارة بهذا المعنى . وههنا إيراد معروف ، وهو أنه لا معنى لعدّ الريح ، أو المباشرة الفاحشة بدون إنزال مثلا من نواقض الوضوء ، ولا معنى لكون المنيّ يوجب الغسل ، أمّا الأول : فلأن الريح ونحوه ليس بنجاسة محسة ، وأمّا الثاني : فلأن المني طاهر ، وعلى فرض أنه نجس فلم تكن نجاسته أكثر من نجاسة البول . أو الغائط ، فالمعقول أن تكون الطهارة منه مقصورة على غسل محله فقط ، والجواب : أن قائل هذا الكلام غافل عن معنى العبادة ، وغافل عن معنى أمارات العبادة ، لأن الغرض من العبادة إنما هو الخضوع بالقلب والجوارح للَّه عز وجل على الوجه الذي يرسمه هو ، فلا يصح لأحد أن يخرج عن الحد الذي يحدّه اللَّه لعبادته ، ولا مصلحة للمخلوق في مناقشة أمارات العبادة ورسومها إلا بمقدار ما يمسه من نصب وإعياء ، فإن له الحق في طلب تكليفه بما يطيق ، أما ما عدا ذلك من كيفيات ورسوم فإنها يجب أن تناط بالمعبود وحده ، وهذه مسألة واضحة لا خفاء فيها ، حتى فيما جرت به العادة من تعظيم الناس بعضهم بعضا ، فإن الملوك لا يسألون عن سبب الرسوم التي يقابلون بها الناس ، ما دامت غير شاقة ، فمتى قال الشارع : ؟ لا تصلوا وأنتم محدثون حدثا أصغر . أو أكبر ، فإنه يجب علينا أن نمتثل بدون أن نقول له ، لماذا ؟ وإلَّا فيصح أن نقول له : لماذا ؟ نصلي ؟ إذ لا فرق ، فإن كلا منهما عبادة له ، جعلها أمارة من أمارات الخضوع إنما الذي يصح أن نقوله : وإذا لم نقدر على الوضوء أو الغسل أو الصلاة ، فما ذا نفعل ؟ ولذا شرع لنا التيمم . والصلاة من قعود واضطجاع ونحو ذلك مما نقدر عليه ، فالذي من حقنا هو الذي نسأل عنه ونناقش فيه ، والذي يختص بالإله وحده نؤدّيه بدون مناقشة ، وهذا بخلاف المعاملات . أو الأحوال الشخصية ، فإنها متعلقة بحياتنا ، فلنا الحق أن نعرف حكمة كل قضية ونناقش في كل جزئية .
هذا هو الرأي المعقول ، على أن بعض المفكرين من علماء المسلمين قال : إن كل قضية من قضايا الشريعة لها حكمة معقولة وسرّ واضح ، عرفه من عرفه وخفي على من خفي عليه ، لا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات .
وقد أجاب عن الأول بأن الريح مستقذر حسا بدون نزاع ، وهو وإن لم يكن مرئيا بحاسة البصر ، فهو مدرك بحاسة الشم ، وهو قبل أن يخرج مرّ على النجاسة الحسية ، على أن الذي يقول : إن الريح لا ينقض وأن البول أو الغائط يوجبان غسل محلهما فقط ، يلزمه أن يقول :
إن الإنسان لا يلزمه أن يتوضأ في حياته إلا مرة واحدة ، فإن النوم ليس بنجاسة ، والريح ليس بنجاسة ، والبول والغائط نجاسة محلية فقط ، ولا يخفى أن هذا الكلام فاسد لا قيمة له ، لأن الواقع أن اللَّه قد شرع الوضوء لمنافع كثيرة : منها ما هو محسّ مشاهد من تنظيف