وجدت فرصة للعدو للهجوم عليهم بغتة نبهتهم الفرقة الحارسة ليقطعوا صلاتهم ، ويقاوموا عدوهم ، وذلك منتهى الدقة والحذر ، نعم تدل الآية على عظم قدر الصلاة جماعة عند المسلمين الأولين الذين كانوا يشعرون بعظمة خالق الكائنات الحي الدائم الذي لا يفنى حقا ، ويعرفون أن الصلاة تذلل لخالقهم ، وخضوع لا ينبغي إهماله حتى في أحرج المواقف وأخطرها ، ومما لا شك فيه أن صلاة الجماعة مطلوبة باتفاق ، إنما الكلام في أنها فرض عين في جميع الصلوات الخمس ، وجمهور أئمة المسلمين على أنها ليست كذلك .
وبعد ، فحكم صلاة الجماعة في الصلوات الخمس المفروضة مبين في كل مذهب من المذاهب ( 1 ) الأربعة تحت الخط ( 2 ) .
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : ذكرنا حكمها على مذهب أهل البيت عليهم السلام .
( 2 ) المالكية - قالوا : في حكم الجماعة في الصلوات الخمس قولان : أحدهما مشهور ، والثاني أقرب إلى التحقيق ، فأما الأول فهو أنها سنة مؤكدة بالنسبة لكل مصل ، وفي كل مسجد ، وفي البلد الذي يقيم به المكلف ، على أنه إن قام بها بعض أهل البلد لا يقاتل الباقون على تركها ، وإلَّا قوتلوا لاستهانتهم بالسنة ، وأما الثاني فهو أنه فرض كفاية في البلد ، فإن تركها جميع أهل البلد قوتلوا ، وإن قام بها بعضهم سقط الفرض عن الباقين ، وسنة في كل مسجد للرجال ، ومندوبة لكل مصل في خاصة نفسه ، وللمالكي أن يعمل بأحد الرأيين ، فإذا قال : إنها سنة عين مؤكدة يطلب أداؤها من كل مصل وفي كل مسجد فقوله صحيح عندهم على أنها وإن كانت سنة عين مؤكدة بالنسبة لكل مصل ، ولكن إن قام بها بعض أهل البلد لا يقاتل الباقون على تركها ، فالبلد الذي فيها مسجد تقام فيه الجماعة يكفي في رفع القتال عن الباقين ، ومن قال : إنها فرض كفاية فإنه يقول إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، وقد وافقهم الشافعية في هذا القول ، وإن خالفوهم في التفصيل الذي بعده .
الحنفية - قالوا : صلاة الجماعة في الصلوات الخمس المفروضة سنة عين مؤكدة ، وإن شئت قلت هي واجبة ، لأن السنة المؤكدة هي الواجب على الأصح ، وقد عرفت أن الواجب عند الحنفية أقل من الفرض ، وأن تارك الواجب يأثم إثما أقل من إثم تارك الفرض ، وهذا القول متفق مع الرأي الأول للمالكية الذين يقولون : إنها سنة عين مؤكدة : ولكنهم يخالفونهم في مسألة قتال أهل البلدة من أجل تركها ، وإنما تسن في الصلاة المفروضة للرجال العقلاء الأحرار ، غير المعذورين بعذر من الأعذار الآتية : إذا لم يكونوا عراة ، وسيأتي بيان الجماعة في حق النساء والصبيان ، وباقي شروط الإمامة .
الشافعية - قالوا : في حكم صلاة الجماعة في الصلوات الخمس المفروضة أقوال عندهم :
الراجح منها أنها فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، فإذا أقيمت الجماعة في مسجد من مساجد البلدة سقطت عن باقي سكان البلدة ، وكذا إذا أقامها جماعة في جهة من الجهات ، فإنها تسقط عن باقي أهل الجهة . وبعض الشافعية يقول : إنها سنة عين مؤكدة ، وهو مشهور عندهم ، ومثل الصلوات الخمس في ذلك الحكم صلاة الجنازة ، على أنهم قالوا : إن صلاة الجنازة تسقط إذا صلَّاها رجل واحد أو صبي مميز ، بخلاف ما إذا صلتها امرأة واحدة ، كما