شرح
ومن العجيب مع ذلك كله ما في المعتبر ، فإنه بعد أن اقتصر على خبر الحلبي « 264 » الذي رواه البزنطي من بين أخبار المنع قال : ( ويمكن أن يقال بالكراهة ، ويحتج بما رواه الحسين بن سعيد عن أبي عمير عن جميل « 265 » عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال : ( سألته عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب : آمين قال : ما أحسنها واخفض الصوت بها ) ويطعن في الروايتين بأن أحدهما رواية محمد بن سنان ، وهو مطعون فيه ، وليس عبد الكريم في النقل والثقة كابن أبي عمير ، فيكون رواية الإذن أولى لسلامة سندها من الطعن ورجحانها ، ثم لو تساوت الروايتان في الصحة جمع بينهما بالإذن والكراهة توفيقا ، لأن رواية المنع تحتمل منع المنفرد ، والمبيحة تتضمن الجماعة ، فلا يكون المنع في إحداهما منعا في الأخرى والمشايخ الثلاثة منا يدعون الإجماع على تحريمها وإبطال الصلاة بها ، ولست أتحقق ما ادعوه ، والأولى أن يقال لم يثبت شرعيتها ، فالأولى الامتناع من النطق بها ) .
ولا يخفى عليك ما فيه من وجوه ، خصوصا بالنسبة إلى اقتصاره على الخبر المذكور من بين أخبار المنع ، وخصوصا بالنسبة إلى ترجيحه هذا الخبر الذي إذا قرئ بالتعجب كان مخالفا لإجماع الإمامية إن لم يكن ضروريهم ، وموافقا للعامة الذين جعل اللَّه الرشد في خلافهم ، إذ لم يقل أحد من الأصحاب بالاستحباب ، ولذا حملوه على التقية ، خصوصا وقد أمر بخفض الصوت بها ، وقد حكي استحبابه عندهم أيضا ، ولعل المصنف قرأه بصيغة نفي التحسين ، واستفاد التجويز من الأمر بخفض الصوت بها ، على أن المتبادر من الاقتصار على نفي الحسن انتفاء القبح أيضا ، لكنه - مع اقتضاء الثاني نفي الكراهة أيضا واحتمال قراءته واخفض بالماضي وإن كان لحنا بناء على عدم وروده منه كذلك لكنه من الراوي ، فيكون حينئذ مشعرا بالتقية ، ولا دلالة فيه على الجواز - كما ترى خلاف الظاهر ، لا أقل من تعارض الاحتمالين فيه ، بل يمكن قراءته ( ما أحسنها ) من الإحسان بمعنى العلم على صيغة التكلم ، كقوله ( عليه السلام ) « 266 » في التثويب : ( ما نعرفه ) فلا تنافي حينئذ بين خبري جميل « 267 » وأظرف شيء قوله : إني لم أتحققه ، إذ هو إن لم ينكر عليه ذلك مع ظهوره أنكر عليه اعتبار التحقق في حجية مثله ، وكذا قوله أيضا بالتفصيل بين المنفرد والمأموم ، مع أن صحيح جميل السابق الذي هو راوي الخبر المذكور صريح في المأموم ، بل لعله هو المراد من إطلاق غيره ، ضرورة ظهور إرادة التعريض به لما في أيدي الناس على ما أومأت إليه باقي النصوص ، بل في المرسل « 268 » من دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه ( عليهم السلام ) عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله : ( لا تزال أمتي بخير وعلى شريعة من دينها حسنة ما لم يتخطوا القبلة بأقدامهم ، ولم ينصرفوا قياما كأهل الكتاب ولم تكن ضجة آمين ) ولا ريب أن المراد التعريض بهم كباقي النصوص .
ومن هنا أمكن اختصاص المنع بناء على أنها دعاء يجوز في الصلاة لولا الدليل بقولها كقولهم آخر الحمد كما يومئ إليه المتن . وما شابهه فبالتقييد المزبور ، قال العلامة الطباطبائي في مبطلات الصلاة :
هامش
« 264 » المعتبر ص ( 177 ) .
« 265 » وسائل الشيعة - 4 / 752 .
« 266 » وسائل الشيعة - 41 / 650 .
« 267 » وسائل الشيعة - 4 / 752 .
« 268 » مستدرك وسائل الشيعة - 4 / 174 .