ورسوله بتلك الأعمال الشنيعة المنبئة حمية الجاهلية في قلبه ، وقد مر
ما يؤيد هذا الاستظهار .
قوله : حتى در العرق ،
في أخبار شمائله صلى الله عليه وآله : ( له عرق يدره الغضب ) ( 1 ) ، أي
يمتلي دما إذا غضب كما يمتلي الضرع لبنا إذا در ، أي زاد وكثر جريانه في
الضرع ، وعن الزمخشري ( 2 ) : يدره الغضب أي يحركه ، من أدرت المرأة المغزل
إذا فتلته فتلا شديدا . ( 3 )
وروى الكشي رحمه الله عن محمد بن قولويه ، قال : حدثني سعد بن
عبد الله بن أبي خلف ، قال : حدثني علي بن سليمان بن داود الرازي ، قال :
حدثنا علي بن أسباط ، عن أبيه أسباط بن سالم ، قال ( قال ( لي ) أبو الحسن
( موسى بن جعفر ) عليهما السلام : إذا كان ى . م القيامة نادى مناد : أين حواري
محمد بين عبد الله رسول الله صلى الله عليه وآله ، الذين لم ينقضوا العهد ( ومضوا
عليه ) ؟ فيقوم سلمان والمقداد ( 4 ) وأبو ذر ( 5 ) ، ثم ينادي مناد : أين حواري
علي بن أبي طالب عليه السلام وصي محمد بن عبد الله ( رسول الله ) ؟ فيقوم عمرو بن
الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد وأويس
هامش
( 1 ) البحار 16 : 149
( 2 ) أبو القاسم محمود بن عمر بن مجمد الخوارزمي الزمخشري ، الملقب بجار الله لمسافرته إلى مكة
ومجاورته بها زمانا . ولد في رجب سنة 467 بزمخشر - وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم - وتوفي ليلة
عرفة سنة 538 بخوارزم بعد رجوعه من مكة ، من تصانيفه : الكشاف في التفسير ، أساس البلاغة في
اللغة ، ربيع الأبرار ، من كلامه :
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به * واكتمه ، كتمانه لي أسلم
فإن حنفيا قلت ، قالوا بأنني * أبيح الطلا ، وهو الشراب المحرم
وإن مالكيا قلت ، قالوا بأنني * أبيح لهم أكل الكلاب ، وهم هم
وإن شافعيا قلت ، قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت ، والبنت تحرم
وإن حنبليا قلت ، قالوا بأنني ثقيل حلولي بغيض مجسم
( 3 ) أساس اللغة : 128 .
( 4 ) هو ابن عمرو البهراني ، وإنما نسب إلى الأسود لأنه حالفه في الجاهلية فتبناه فنسب إليه حتى نزل
قوله تعالى : ( ادعوهم لآبائهم ) ، وهو من السابقين إلى الإسلام ، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية فهو
من علية الصحابة ، وهو أول من عدا به فرسه في سبيل الله لأنه لم يكن فرس مع غيره في يوم بدر ،
زوجه النبي صلى الله عليه وآله ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب .
( 5 ) اسمه جندب بن جنادة - كما هو مشهور - صحابي جليل من السابقين إلى الايلام هاجر بعد بدر
وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من
أبي ذر ، يعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده ويدخل الجنة وحده ، له مواقف جليلة في الإسلام ،
نفاه عثمان إلى الشام حيث ثقل وجوده لأمره بالمعروف وإنكاره المنكر ، ولما حل بالشام ازداد في
دعوته فثقل على معاوية ذلك لما كان يلمسه من استجابة الناس لأبي ذر ، فكتب إلى عثمان يطلب
إبعاده عن الشام فأجابه بحمله على أصعب مركب فأجهده السير ، فجرى بينه وبين عثمان كلام
أغضبه ، فحاول استمالة أبي ذر بالأموال فلم يفلح فنفاه إلى الربذة وهي قرية تبعد عن المدينة
بثلاثة أيام ، فعاش هناك وحيدا ثم مات وحيدا وكان ذلك سنة 32 .